السبت، 20 سبتمبر، 2014

بين المغرب والجزائر: هل يقبلون اعتذاري؟




دكتور محيي الدين عميمور

قضيت الأيام الماضية أراجع تعليقات الأشقاء من المغرب على الحوار الذي دار بيني وبين الأخوين مولاي التهامي وسامي السلامي حول قضية الصحراء الغربية وانعكاساتها على العلاقات الجزائرية المغربية، وهو حوار تميز بالهدوء والرصانة، مع الاعتراف بوجود تلاعبات بالغة الذكاء تحاول أن تجر القارئ إلى الاستنتاجات التي تراها.

وكنت عبرت عن أملي في أن يؤدي الحوار بيننا إلى تفهم أكثر، يقود إلى تفاهم متزايد بين مثقفي البلدين حول القضايا ذات الاهتمام المشترك، يخرج بنا جميعا من وضعية التوتر القائم، والذي لا يخدم أحدا على الإطلاق، لكن المؤسف أن كثيرا من التعليقات التي قرأتها كانت أقل بكثير من مستوى الحوار، بحيث يمكن أن يتصور قارئ حسن النية بأن هناك عملية توزيع أدوار، آخر ما تفكر فيه هو الوصول إلى الحقيقة.

وباستعراض تعليقات الأشقاء لاحظت الآتي:

- معظم التعليقات لا تناقش صلب الموضوع، بل تروح تقذف بالأحجار النظام الجزائري والتاريخ الجزائري والقيادات الجزائرية والمنطق الجزائري، بما يشبه  قنابل الدخان التي تحاول حجب الحقيقة عن الأبصار.

وتذكرت أن الأمر وصل بمسؤول مغربي في قمة الجهاز التنفيذي إلى التصريح بأن الجزائر ترفض فتح الحدود البرية حتى لا يطلع الجزائريون على مدى ما حققه المغرب من ازدهار، وبدا أن المسؤول يرى أن الناس ماشية تنسى الأمس لأنها مشغولة ترعى عشب اليوم.

وباسترجاع المواقف منذ الستينيات، نجد أن الأشقاء الكرام لا يخرجون مليمترا واحدا عن الطرح الذي تتبناه السلطة المغربية، ربما لأن منطق الوطنية عندهم هو الالتزام المطلق بما يراه القصر الملكي، وهذا هو على وجه التحديد ما يجعل الحوار حراثة في البحر وكتابة على الهواء.

فالتأييد كان مطلقا لموقف القصر الرافض لاستقلال موريطانيا، وعندما خضع الملك الراحل لإرادة التاريخ، نسي الجميع الأمر، وأصبح سي المختار بن داده هو “مومّو” العين، بحيث بدا الأمر وكأنه نكاية في الجزائر.

وعندما تناقض الملك مع مطالب السيادة على الصحراء الغربية واقتسم الأرض مع نظام الحكم في موريطانيا، صفق الجميع ولم يرتفع صوت واحد للتساؤل، وليس للاحتجاج، على التفريط في أرض اعتبرها المغرب أرضه، وتغني الجميع بحدث اليوم رغم تناقضه مع مواقف الأمس .

وعندما استقبل “الانفصاليون الملعونون” في القصر الملكي، بعد سنوات من اعتبارهم “مرتزقة خبثاء”، قال الجميع آمين، وقال البعض أن هذا هو منطق الديبلوماسية الأريب.

وعندما تراجع المغرب الرسمي عن فكرة التبعية الكاملة للصحراء الغربية، واقترح الحكم الذاتي للصحراء الغربية راح الجميع يلهجون بحكمة القصر الملكي وبعد نظره.

ولن أواصل استعراض الملاحظات التي لا شك أن القراء استنتجوها من متابعة الحوار والتعليقات عليه، لأنني أريد أن أصل بسرعة إلى خلاصة أرى أنها تفرض نفسها لهذا النقاش الطويل والممل، والذي دام سنوات وسنوات، بين المثقف الجزائري والمثقف المغربي.

وهنا أتفق تماما مع الأخ سامي عندما يعبر عن احترام حق كل إنسان في الإيمان بما يقوده إليه عقله، وهو ما أعتقد أنه ينطبق أساسا على العبد الضعيف ولا ينطبق بالضرورة على كثيرين آخرين، حيث تفرض الأذن نفسها على العقل.

لكن لا بد أن أعترف بأننا نظلم المثقف أو الكاتب المغربي عندما نتصور أنه يملك نفس الحرية التي نملكها نحن في الجزائر.

فمعنى الوطنية عند الأشقاء هناك هو الالتزام الكامل بكل ما يصدر عن السلطان، ثم بذل كل الجهود الممكنة في التفسير والتبرير، وقد يكون المثقف أحيانا، بل غالبا، ملكيا أكثر من الملك نفسه، وأتصور أن هذا شعور وطني جدير بالتقدير، أو على الأقل، يستحق التفهم والاحترام.

وأعتقد أن هذا هو الخطأ الذي وقعنا فيه طوال السنوات الماضية.

وأتذكر أن قياديا جزائريا وجه إليّ نوعا من العتاب عندما قلت يوما أن الصحراويين كان من الممكن أن يختاروا الانضمام إلى المغرب لو قبل الملك الاستفتاء في السبعينيات، وكان من بين ما قاله لي : غريب أن يصدر هذا القول عنك أنت بالذات، وأنت كنت رفيقا للرئيس هواري بو مدين، فهل استشرت الصحراويين قبل أن تكتب هذا الطرح الذي يتناقض مع وجهة النظر الجزائرية، المؤيدة لكل ما يقوله البوليزاريو؟.

وقلت للرفيق المتحمس بأن الرئيس الراحل كان من كبار المؤمنين بوحدة المغرب العربي، وممن يعملون ليسود الاستقرار المنطقة كلها، لكنني لا أكتب تنفيذا لأمر من أحد أو لمجرد إرضاء أحد، بمن في ذلك رئيس الجمهورية، ولقد تصرفت كمجرد مثقف يحاول تحليل الأحداث طبقا لما يراها، ولم يحاسبني الرئيس بو مدين، والرئيس الشاذلي بن جديد من بعده، عن أي خروج عما تسميه الموقف الرسمي، لأنني أتصرف من وحي ضميري وربما لتحقيق نفس الهدف الذي تسعى له القيادة الجزائرية، وهو استقرار المنطقة وازدهار شعوبها واستقلال كلمتها، وبعيدا عن تسول التأييد من الآخرين، أيا كانت درجة قرابتهم أو حجم أموالهم أو خلفية تحالفاتهم.

ولعل من المواقف التي خرجتُ بها عن الرأي الرسمي الصحراوي، والذي تدعمه الجزائر، هو ترحيبي باقتراح المغرب لنظام الحكم الذاتي، والذي قلت عنه أكثر من مرة أنه اقتراح شجاع، برغم أنني كنت أعلم علم اليقين بأن الاقتراح جاء نتيجة لضغوط أمريكية كانت تهدف إلى “حلحلة” الوضع، وكان كل ما طلبته أن يطرح الأمر كاقتراح على الشعب المعني لا أن يفرض كأمر واقع على الجميع.

ولعل آخر المواقف التي لا أخجل منها مشاركتي السفارة المغربية بالجزائر احتفالها بالعيد الوطني المغربي نهاية الشهر الأسبق، برغم المقاطعة الجزائرية الرسمية التي تسببت فيها إساءة وجهها الملك محمد السادس في نفس اليوم للمواقف الجزائرية، وكان رأيي أن دور المثقف هو الإبقاء على شعرة معاوية، خصوصا عندما تتوتر العلاقات الرسمية بين القيادات.

وهنا أحس بأنني مدين بالاعتذار للأشقاء في المغرب، فمع احترامي وتقديري لمواقفهم يجب أن أعترف بأنهم لا يملكون نفس حرية الحركة التي نملكها نحن هنا، لمجرد أننا نؤمن بأن الوطنية ليست التسليم المطلق، خارج ظروف الحرب، بما تراه القيادات ، ونحن نؤمن بأن هناك فرق بينا المواطنين والرعايا، ونرى أنا جميعا شركاء في هذا الوطن الذي حاربنا من أجل استرجاع استقلاله وساهمنا، كل بقدر طاقته، في بنائه وحمايته، ومن حق أي منا أن يتصرف طبقا ليقينه الشخصي، ما دام لا يتعارض مع الطموح المشروع للأمة، والاستقرار المنشود للمنطقة، وإذا كان المثقف لا يلزم بلاده أو رفقاءه بمواقفه وآرائه.

ولا أرى فيما أقوله أي إساءة لمفهوم الوطنية عند الأشقاء، والذين أتفهم تشددهم في الدفاع عن الرأي الرسمي للمغرب، حتى وإن كنت آخذ على بعضهم الانزلاق الذي يدفعه الحماس أحيانا إلى ما يمكن أن يعتبر فضحا لأهداف مغربية غير معلنة، كذلك الذي رفض الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية برغم أن المغرب هو من لجأ إلى لاهاي، أو الذي رأى بأن المواقف الدولية، بما فيها موقف مجلس الأمن لا يلزم المغرب بشيئ، برغم التوسلات المتواصلة للعالم كله بالحماية من “الظلم” الجزائري، أو الذي اعترف بوضوح أن النظام المغربي قام بتهجير عشرات الآلاف من المغاربة ليحقن بهم الوجود الديموغرافي في الصحراء الغربية، في حين أن هذا في حد ذاته يجب أن يشجع على إجراء الاستفتاء، أو ذلك الذي أعادنا إلى خرافة “الصحراء الشرقية” التي تحتلها الجزائر.

وهنا نكتشف أكبر الأخطاء الجزائرية.

فالجزائر بلد لا يستطيع الحاكم فيه، مهما بلغ اعتزازه بسلطانه، أن يحرم مجاهدا جزائريا من حق التعبير عن رأيه، ولا يدعي الحاكم مهما بلغ طغيانه بأنه يمثل العناية الإلهية التي يجب أن ينحني لها الجميع. لكن الأمر في بعض الدول الملكية في منطقتنا العربية مختلف تماما.

في بريطانيا، وهي أعرق الملكيات في العالم، قبلت الملكة إجراء استفتاء في اسكوتلندا، موطن الويسكي الشهير الذي يعتز به كل بريطاني وينسبه للبلد كله، لكن بعض الملوك عندنا، ومع كل الاحترام، يرون أن كلمة “الاستفتاء” هي رجس من عمل الشيطان، لأنه يشكك في مشروعية سلطتهم المستمدة من السماء قبل الأرض.

ولهذا أعتذر مرة أخرى للأشقاء الأعزاء في المغرب، وأعتذر للقراء الذين قد يرى بعضهم أننا شوشنا عليه، وابتعدنا باهتمامه عما كان يحب أن يهتم به، وأشكر لهذا المنبر المتميز مجال حرية التعبير الذي أتاحه لنا جميعا، وأحيي كل من شاركوا، بغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف.

وأعترف بأنني وصلت إلى طريق مسدود، حاولت مخلصا أن أتفاداه.

كاتب ووزير جزائري سابق