الخميس، 14 أغسطس 2014

التخطيط الاستراتيجي


 بقلم المستشار د. نزار نبيل أبو منشار الحرباوي

التخطيط هو عملية ذهنية وتفاعلية مع معطيات الواقع من أجل رسم مستقبل في ظل هذه المعطيات بعد سلسلة من الخطوات التنفيذية المقترنة بأهداف واضحة وأساليب تنفيذية تراكمية ، وبعد خضوع للتقييم والتقويم .
هذا من حيث المبدأ ، ولكن عند الحديث عن التخطيط الاستراتيجي ” Strategic Planning “فإنه يختلف عن التفكير الاستراتيجي ” Strategic Thinking ” ويمكن الرجوع في ذلك لكثير من المراجع ليس هنا مجال التعريج عليها .
التخطيط عملية شمولية إدارية لتفريغ المعطيات العلمية والإحصائية الموجودة في واقع ما ، وبرمجة خطة عملية تكاملية من أجل تغيير هذا الواقع وفق أهداف الجهة القائمة على التخطيط .
من أجل ذلك ، يجب قبل الحديث عن التخطيط الاستراتيجي أن نتحدث عمن يقوم بهذا النمط من التخطيط الذي يختلف شكلاً ونمطاً عن التخطيط بعيد المدى ، وهذا ما أوجد الحاجة إلى ميلاد أجسام تخطيطية تخصصية ، تعتمد على عقول تخصصية وكفاءات متدربة على هذا النمط من التخطيط وحسن التعامل مع التطلعات المستقبلية وقولبتها على شكل مخطط ، دون أن تتأثر بالواقع ومعطياته التفصيلية ، ودون الدخول في تفاصيل الخطط الفرعية الجزئية .
لذلك ، لجأت الدول المتقدمة للاعتماد على مؤسسات بحثية ومؤسسات دراسات تخصصية ذات كفاءة وقدرة ومصداقية لوضع الصورة العامة للقضايا المراد التفكير والتخطيط لها ، بحيث تؤمن لها مصروفاتها ومتطلبات عملها الباهظة وبكل ما يلزمها ، لتوفر للدولة المعطيات والأرقام والتفاصيل الدقيقة في داخل الدولة وخارجها ، وهي ما باتت تعرف باللغة العربية الفصحى باسم ” مؤسسات السند المعرفي ” أو ما يشار لها دلالة باسم ” تينك تانك ” .
هذه المؤسسات الريادية من خلال خبرائها وباحثيها هل التي مكنت اليابان وهي إحدى أكبر الدول المهزومة في الحرب العالمية من أن تدخل في لعبة الكبار ، ونادي الدول الثمانية الكبار ” G8 ” .
اليابان ، ومثلها كوريا ، وألمانيا ، استطاعت أن توجد لها حصصاً استراتيجية عملاقة في السوق العالمي من خلال إيجادها للشراكات الاستراتيجية ، وتنوع خطوط الإمداد والإنتاج ، وامتلاك الميزة النسبية للعديد من السلع الاستراتيجية من خلال تنوع المصادر الذي يصب في خانة المصلحة الذاتية لهذه الدول .
من المفيد هنا أن نشير إلى الصلة الوثيقة بين التخطيط الاستراتيجي وبين مفهوم الأمن القومي وتطلعات الأمم للمستقبل ، وهي تفريغ للطموحات العليا ، ومن خلالها يتم بسط النفوذ ومد الأشرعة وتخطيط الفعاليات التواصلية مع الذات ومع الآخر .
فالأمم التي تعتمد التخطيط الاستراتيجي هي الأمم التي لها مصالحها الاستراتيجية، وأسواقها الاستراتيجية ، وسلعها الاستراتيجية التي تريد حمايتها ونشرها عالمياً أو إقليمياً، ولها تطلعاتها ، ولها رؤية لذاتها ورغبة في الحفاظ على قرارها السيادي المستقل .
الثابت في المعادلة هنا : لا يتحقق القرار السياسي الرشيد والمؤثر إلا من خلال فهم تفصيلي وموضوعي لعناصر البيئات الداخلية والخارجية ، وشكل النظام السياسي ومهدداته، وفرصه ومقدراته، ومنطلقات القوة فيه وجوانب الضعف ، وطبيعة المصالح العالمية وتوجهاتها ونحو ذلك من أمور .
فالتخطيط الاستراتيجي ، هو وضعٌ يعني ضرورة بلورة أهداف وسياسات تسعى لعلاج نقاط الضعف في البيئة المحلية والخارجية لتصبح قابلة لتحقيق الهدف الاستراتيجي العام ، ومثاله : برمجة سياسات وأهداف لتغيير أنماط سلوكية عند المواطنين لتحسين جودة الأداء المتعلق بموارد الدولة أو مسليكاتها ، كالقضاء على الأمية ، ووجود النخب الاستراتيجية المؤثرة ، والقضاء على الكسل ، وتغيير الرغبة في الكسب السريع عند التجار ونحوها .
سمة فارقة جديرة بالاهتمام هنا ، أن التخطيط الاستراتيجي يأتي من أعلى رأس الهرم وليس من أي دائرة أو قسم أو قطاع فرعي ، فإذا كنا نتحدث عن تخطيط استراتيجي على مستوى الدولة ، فالتخطيط لا بد ان ينبع من مجلس الوزراء أو من الهيئة الملكية مثلاً، وإذا تحدثنا عن مؤسسة أو منشأة أهلية ، فالتخطيط الاستراتيجي يأتي من هيئتها الإدارية العليا ، فبغير السلطة والدعم والرعاية العليا سيفشل التخطيط وسيتم إحباط كل جهد .