الثلاثاء، 13 سبتمبر، 2016

نحن والمغرب: الجراح المتقيحة. *بقلم محيي الدين عميمور

صورة لمحيي الدين عميمور؛ انذاك المستشار الاعلامي لدى الرئاسة الجزائرية*


منذ استضافني العزيز عبد الباري عطوان وأنا أحاول أن أبعد قراء هذا المنبر المتميز عن قضايانا الجهوية، لأن قضايا المشرق المعقدة تكفيهم، ومعاناة أحبتنا في غزة وسوريا والعراق والأرض المحتلة وأرض الكنانة يجب أن تكون دائما هي محور كل حديث.

ولقد أكدت دائما ما نحمله للشعب المغربي من حب وتقدير واحترام، ولم أتردد في التذكير بالدعم الذي لقيناه من الإخوة هناك خلال ثورتنا التحريرية، وكنت أنادي دائما بأن من مصلحة الوطن العربي أن ندفن خلافاتنا في المغرب العربي أو أن نواجهها بشجاعة، لنتمكن من التفرغ للقيام بواجبنا في دعم الأحبة في المشرق العربي، كما حدث في 1973، والتي قامت فيها القوات المغربية بدور بطولي في الجولان، موازاة مع دور القوات الجزائية في منشطقة السويس.

ويبدو أن بعض الانتهازيين الباحثين عن دور ما في المغرب الشقيق وجدوا في ابتعادي عن تناول مشاكلنا المشتركة فرصة لاجترار الأكاذيب التي ألفناها طوال نحو ستين سنة أو يزيد، استجداء لمباركة النظام.

وأجد نفسي اليوم، وبعد أن أعتذر للقراء لابتعادي عن مشاكل داعش المفتعلة لأخوض في مشاكل منطقتنا، والمفتعلة أيضا، أسترجع بعض معالم الصراع المغربي الجزائري داعيا لمراجعة الوثائق التي تمتلئ بها وسائل التواصل الاجتماعي و”غوغل” عن أحداث المنطقة، حتى لا يتحول الحوار المفيد إلى جدل عقيم.

وحقيقة المشاكل بين الجزائر والمغرب تتلخص بكل بساطة في أن الثقة مفقودة تماما، ومحاولات الاستفزاز تتواصل كلما جنحت الأمور نحو الهدوء، وهو ما أستدل به على أن هناك من يحاول افتعال المشاكل الخارجية للتغطية على الاهتمامات الداخلية.

وهكذا نسمع يوما بعد يوم بيانات شبه تحريضية وخطبا استفزازية، كتلك التي تليت في عيد العرش الماضي، ودفعت كل المسؤولين الجزائريين إلى مقاطعة احتفال السفارة المغربية في الجزائر، والذي كان يحظى دائما بمشاركة واسعة من المسؤولين وغير المسؤولين، وهو ما كان رسالة لم يتلقاها من أرسلت له، وله وحده.

ونقرأ بين الحين والآخر كتابات تتحدث عن أراض جزائرية باعتبارها صحراء مغربية شرقية!! “يجب أن تسترجع للمغرب”، وذلك في تجاهل واضح لحقائق ثلاث، الأولى أن الحقوق التاريخية، بفرض صحتها، نظرية تجاوزها الزمن، وأثبتت كارثيتها في الصومال والكويت، والثانية هي أن منظمة الوحدة الإفريقية، التي كان المغرب عضوا مؤسسا لها، اعتمدت مبدأ احترام الحدود الموروثة عند الاستقلال، وبغض النظر عن تحفظه الذي قيل أنه يرتبط بسبتة ومليلية، والثالثة هي أن المغرب وقع مع الجزائر على اتفاقيتين لترسيم الحدود النهائية بينهما، كانت أولاها اتفاقية لالا مغنية في 1845، التي استكملت باتفاقية الرباط في 1972، وشهد توقيعها أكثر من أربعين رئيس دولة وحكومة، وسجلت في وثائق الأمم المتحدة.

وينسى الزاعمون أن الحديث عن “الصحراء الشرقية” هو تأكيد لأن ما عرفته المنطقة في 1963 بُعيْد استرجاع الجزائر لاستقلالها كان غزوا سافرا لحدود الجزائر، نفضل أن يدخل في ملف القضايا المنسية التي يجب أن تحذف من الذاكرة إذا كنا ننظر إلى المستقبل، وتضاف إلى موقف سلطان المغرب المُخزي من الأمير عبد القادر في 1844، والضغوط المغربية على فرحات عباس في الخمسينيات.

وتأخذ بعض الأقوال طابع الاستفزاز، ومنها ما قاله يوما قانونجي مغربي تعليقا على ما أسماه استرجاع المغرب لأقاليمه “المغتصبة” من أن هذا “يمكن أن يجري بالقتال (هكذا) ويمكن أن يتم بالمفاوضات، وهو ما حدث، كما يقول، بالنسبة لطنجة وإفني وطرفاية وأخيرا الصحراء الغربية”، متناسيا بأن ما تم بخصوص الصحراء الغربية في منتصف السبعينيات وفي الظروف التي اقترنت بوفاة الجنرال فرانكو لم يكن تفاوضا بين المعنيين بالأمر، وكان، والوثائق موجودة، مجرد نقل للإدارة وليس نقلا للسيادة، ومن هنا فإن “الكورتيس″ الإسباني لم يعترف باتفاقية مدريد، التي لم تسجل نتيجة لذلك في الأمم المتحدة، وأصبحت ورقة تفتقد أي سند شرعي.

وحتى قضية “البيعة” التي يستند لها بعض الأشقاء، وهي حقيقة لا تنكر، تمت بين سلطان المغرب وبعض القبائل في الصحراء الغربية، بنص محكمة لاهاي الذي يقول (Certains des tribus) وليس القبائل الصحراوية (Les tribus sahraouis) والقول بالبيعة مردود عليه بأن البيعة التزام تجاه فرد، وهي لا تورّث، ومرادفها المعاصر هو الاستفتاء.

ونسمع دائما نفس الأسطوانة المشروخة من أن “البوليزاريو” هي صنيعة الجزائر رغم أنه من الممكن أن تزود الناس بكل شيئ إلا بإرادة القتال، وهذه الجبهة، وخلافا لما ادعاه القانوني، هي التي أطلقت الكفاح الفعلي ضد الوجود الإسباني في بداية السبعينيات، وكان العقيد القذافي أول من أيدها ودعمها، ولم تؤيدها الجزائر إلا بعد أن فوجئت بخديعة تقسيم الصحراء بين المغرب وموريطانيا في 1975، ثم برفض النظام المغربي لرأي محكمة “لاهاي” الدولية بقراءة مبتسرة تناست تأكيد المحكمة بعدم وجود روابط سيادة بين سلطان المغرب والصحراء، وذلك في ظل ضجيج “مسيرة خضراء” لم تدخل مدينة صحراوية واحدة، ولم تشتبك، حتى بالهتافات، مع الإسبان الذين كانوا يحتلون الصحراء آنذاك، وكانت غطاء للغزو العسكري المغربي للصحراء على محور “المحبس″ شرقا.

وللتذكير، فإن الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية لعام 1975 أكد قرار الأمم المتحدة الذي اعترف بحق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره، وجاء نص الفتوى التي أصدرتها المحكمة في هذا الشأن، والتي صدرت بطلب من المغرب إلى الأمين العام للأمم المتحدة وإلى الحكومة الإسبانية في 23 سبتمبر 1974 لإحالة ملف الصحراء الغربية إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي، لتبدي رأيا استشاريا حول مطالبته بما يسميه ”حقوقه التاريخية على الإقليم”. وبعد أن وافقت الجمعية العامة على الطلب المغربي، أحالته على المحكمة الدولية المذكورة والتي عقدت 27 جلسة علنية من 25 يونيو ولغاية 30 يوليو 1975، وأعلنت المحكمة رأيها الاستشاري في 16 أكتوبر 1975 في 60 صفحة، بعد تفكير عميق وجاد تناول بالفحص والتدقيق كل حيثيات الموضوع، في حدود الادعاءات والوثائق المقدمة إليها، مرفقا بالكثير من الآراء الشخصية للقضاة وفيما يلي خلاصته:

الجواب على السؤال الأول كان رفضا للطرح الإسباني، وجاء فيه: غداة استعمارها من طرف إسبانيا (والذي حددته المحكمة اعتبارا من سنة 1884) لم تكن الصحراء الغربية أرضا بلا سيد لأنها كانت مأهولة بسكان على الرغم من بداوتهم كانوا منظمين سياسيا واجتماعيا في قبائل وتحت سلطة شيوخ أكفاء بتمثيلهم. وإسبانيا نفسها لما أقامت ”حمايتها” تذرعت باتفاقات مبرمة مع الشيوخ المحليين.

وقبل الإجابة على السؤال الثاني وهو : ”ما هي الروابط القانونية التي كانت تربط المنطقة المذكورة والمملكة المغربية والمجموعة الموريتانية؟”، فإن المحكمة حددت ”كروابط قانونية” كل الروابط التي يمكنها أن تؤثر على السياسة التي يجب اتباعها لتصفية الاستعمار من الصحراء الغربية.

وحول السؤال المتعلق بالروابط مع المملكة المغربية، أوضحت المحكمة أنها تأخذ بعين الاعتبار:

1 – أن المملكة المغربية تقول بوجود روابط سيادة بالصحراء الغربية نابعة من حيازة تاريخية للإقليم.

2- أنها وضعت في الحسبان الهيكلة الخاصة للدولة المغربية في تلك الحقبة التاريخية.

 وبعد أن فحصت الأحداث الداخلية (تعيين القادة، جباية الضرائب، المقاومة المسلحة وحملات السلاطين…) التي قدمها المغرب كإثبات لسيادته التاريخية على الصحراء الغربية، والأحداث الخارجية (معاهدات، اتفاقات، ومراسلات دبلوماسية) التي اعتبرها المغرب تأكيدا لاعتراف دولي من حكومات أخرى بتلك السيادة التاريخية، توصلت المحكمة إلى أن كل ذلك لا يقوم دليلا على وجود روابط سيادة إقليمية بين المغرب والصحراء الغربية، بالرغم من وجود علاقات تبعية (روحية،  دينية) بين بعض قبائل المنطقة والسلطان.

وخلصت إلى القول بأن ”جميع الأدلة المادية والمعلومات المقدمة للمحكمة، لا تثبت وجود أية روابط سيادة إقليمية بين أرض الصحراء الغربية من جهة، والمملكة المغربية أو المجموعة الموريتانية من جهة أخرى.

وعليه فإن المحكمة لم يثبت لديها وجود روابط قانونية، من شأنها أن تؤثر على تطبيق قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 1514 المتعلق بتصفية الاستعمار من الصحراء الغربية، وعلى الخصوص تطبيق مبدأ تقرير المصير من خلال التعبير الحر والحقيقي عن إرادة سكان المنطقة”.

ويُركز قانونيو التلفزة الشقيقة على أن القيادة الصحراوية مستقرة وراء الأسوار الشائكة في خيام تندوف، في حين تابع العالم أشغال مؤتمر “تيفاريتي” الذي عقده الصحراويون على أرضهم المُحررة المجاورة لموريطانيا وجنوب جدار العار وبعيدا عن الحدود الجزائرية بالطبع، وكان فخا وقع فيه الأشقاء بتشنجهم ضد عَقده بما أثار الانتباه له، وأكد وجود قوة البوليزاريو على أرضها، وهذا كله بدون الإشارة إلى عشرات الوفود الدولية التي زارت الجنوب الغربي الجزائري، حيث تستضيف بلادنا من فروا من مذابح السبعينيات.

وهذا يعني أن الصحراويين موزعين بين ثلاثة مناطق، أولاها محتلة من قبل المغرب، والثانية محررة تماما جنوب جدار العار (الذي أقيم بنصائح إسرائيلية وتمويل عربي ومقاولة عسكرية أمريكية)

وتتغزل أصوات مغربية باقتراح الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب، والذي قلت دائما أنه كان  اقتراحا شجاعا تراجع بالأشقاء عن أحلام الضم الشامل وفكرة الاستفتاء التأكيدي، لكن الأصوات تدعي بأن “الأغلبية الساحقة للصحراويين تؤيد طرح النظام المغربي لولا أن الجزائر تعرقل العملية السلمية”، ولا يقول لنا أحد كيف تتم هذه العرقلة إذا كانت أغلبية الصحراويين موافقة على الحكم الذاتي، ولماذا يتخوف المغرب من الاستفتاء ما دامت الأغلبية مضمونة له.

ويتغنى بعض الأشقاء بدعم القوى الكبرى لاقتراح الحكم الذاتي، وهو دعم يمكن أن يكون حجة على المغرب لا حجة له، خصوصا ونحن نعلم أنه كان نتيجة لضغوط أمريكية لكسر حالة الجمود القائمة، ولقد قلت أنا أكثر من مرة أنني أري في الاقتراح أمرا إيجابيا بشرط أن يوضع بجانب الاقتراحين الآخرين، مما يفترض إجراء استفتاء يستكشف إرادة الشعب المعني، مع التذكير بأن قرار مجلس الأمن يفترض عدم وجود شروط مسبقة في تفاوض المغاربة مع الصحراويين، في حين أن التمسك المغربي بمقترح الحكم الذاتي وحده هو شرط استباقي واضح.

وكانت النكتة السخيفة ما يلوكه بمقارنة وضع الصحراء الغربية مع وضعية منطقة القبائل أو منطقة الطوارق أو غيرها في الجزائر، والتي تقول بسماجة واضحة ومتناقضة مع التاريخ بأننا نقبل الاستفتاء في الصحراء إذا قبلتم مطالبة البعض عندكم باستفتاء مماثل في المناطق الجزائرية، وهو ترديد لأساطير استعمارية قال الشعب الجزائري كلمته فيها عبر استفتاء شعبي شامل في 1962.

والتخويف من قيام دولة مجهرية جنوب المغرب هو هراء لأن المطروح هو اختيار الصحراويين بين الاستقلال والانضمام إلى المغرب، وإذا كانت الأغلبية، كما يدعي الأشقاء، هي من أنصار “مغربية” الصحراء، فالاستفتاء الديموقراطي سيكون قوة للقرار المغربي ودعما له.

ومن جهة أخرى، وبفرض اختيار الصحراويين للاستقلال، فإن دولتهم ستكون أكبر مساحة وأقوى طاقة من عدد من الدول المستقلة الأعضاء في الجامعة العربية والاتحاد الإفريقي ومنظمة الأمم المتحدة، ولا أقصد جيبوتي على وجه التحديد، وبدون الحديث عن دول عربية وآسيوية قد تعتبر دولا مجهرية إذا قورنت بالصين وبالهند.

وتبقى قضية التنديد بإغلاق الحدود الجزائرية المغربية البرية والتي يبدو فيها توزيع الأدوار بشكل يثير الرثاء، فمن قائل : “لا نريد فتح الحدود”، ولكنه لا يجيبنا إذا سألناه، ومن الذي قال لكم أننا حريصون على فتحها، ومن قائل أن فوائد فتح الحدود تعود على البلدين، وهو ما لا ننكره حتى ولو كان المستفيد الأكبر هو الشعب المغربي الشقيق، وهو ما يزيدنا سعادة، لكن متى طلب المغرب رسميا عقد لقاء يبحث هذا الأمر عبر الطريق المألوف في العلاقات بين الأشقاء، وخارج إطار البلاغات المسرحية التي تذاع في أيام العطلات، بل بالحوار الجاد الذي يقود إلى فتح الحدود لتكون جسر لقاء ومركز تعاون لا مصدرا للنزيف المالي أو لتسرب الأسلحة والمخدرات وازدهار التهريب، أيا كان المنبع والمصب.

ثم إننا لم نسمع كلمة اعتذار واحدة عن الاتهامات الظالمة التي وجهت للجزائر منذ تفجيرات مراكش، ولا عن تجميد المغرب إثر ذلك لوجوده في إطار اتحاد المغرب العربي ولرفضه نحو خمس سنوات المشاركة في قمة الاتحاد.

ولقد مللت شخصيا من تناول هذه القضايا عبر العقود الماضية، بحيث كدت أشعر أن الأشقاء يريدون، بعملية نزيف نفسي متواصل، أن يدفعونا إلى أن نلقي بكل شيئ في وجوههم وننسحب من اتحاد المغرب العربي أو نجمد عضويتنا فيه، فيستتب لهم الأمر على الشكل الذي يريدون.

وربما كان هذا هو سبب البذاءات التي تحفل بها كتابات كثيرة يتبارى فيها بعض الكتبة في محاولة الإساءة لنظام الحكم في الجزائر والنيل من قيادته وتشويه مواقف مثقفيه، والتي وصلت إلى حد الحديث المبتذل عن التعديلات الدستورية الجزائرية، والتي تعتبر شأنا داخليا قد يتفق معه البعض وقد يختلف حوله الآخرون، أو سخافة الحديث عن أموال تبعثرها الجزائر على حساب شعبها، وكأن هناك من اشتكى لهم أو استنجد بكرم عطائهم.

والأشقاء واهمون، فرغم الملل بل والقرف، ستواصل الجزائر اتخاذ المواقف التي تعبر عن إرادة شعبها وتجسد تاريخه النضالي، وسنظل على إيماننا بوحدة المغرب العربي المبنية على الثقة الكاملة والاحترام المتبادل للمبادئ النبيلة وللطموحات المشروعة.

ولن تكون الجزائر أول من يصرخ من عضة الأصبع.

وأعتذر مرة أخرى لقراء أزعجتهم بطرح قضايا لا تشكل أسبقية الاهتمامات بالنسبة لهم، بل وبالنسبة لنا، لكنني مللت من الصبر وملّ الصبر مني، وسوف أواصل تناول هذه القضية كلما سنحت لي الفرصة، حتى لا يتصور البعض أننا نتهرب من مناقشتها، ولعلي أعود يوما لفضح الادعاءات المتعلقة برغبة الجزائر في ممر نحو المحيط الأطلسي.


*من قصاصات راي اليوم