الأحد، 20 أبريل، 2014

يوم إلقاء القبض على العقيد لعبيدي عبد السلام

السيد حمدي يحظيه

حلم العقيد لعبيدي إن يصبح قائدا
كان العقيد لعبيدي عبد السلام يحلم منذ زمن، وبالضبط منذ أيام الدليمي، أن يصبح هو القائد العام للقوات المغربية كلها، خاصة التي تتواجد منها في الصحراء الغربية، لكن أهتمام الحسن الثاني بالبناني، فجأة، وفي اللحظة الأخيرة، أفسد على لعبيدي متعة ذلك الحلم الجميل. بعد موت الدليمي المدَبَّر بالشاحنة المعروفة، بعد اتهامه بالجبن بعد القضاء على قوات الزلاقة وأحد والاراك، وبعد قتل الغجدامي بالتقاعد بعد قصة هروبه عن الشاحنات التي ترك مشتعلة وتسلل تحت أصواتها وأضوائها في اريدال، أصبح الحسن الثاني يميل أكثر- أكثر من اللازم- للبناني ويكلفه بالمهام الكبيرة، ويلتقي به على انفراد في قصره، وبالمقابل تلاشى وضمر الدور الذي كان لعبيدي ومجموعة أخرى من العقداء يريدون لعبه في مرحلة ما بعد الدليمي. ظهور البناني جعل لعبيدي يؤجل حلمه حتى تأتي الفرصة مرة أخرى، فهو يظن أن دوره آت لا محالة، خاصة أن طموحه بلا خطوط ولا حدود. وليس العقيد لعبيدي عبد السلام هو الوحيد الذي كان يطمح ويداعب خياله أن يصبح قائدا عاما للقوات المسلحة المغربية في الصحراء الغربية، لكن هناك آخرون كان يجمح بهم الطموح ويحلمون باليوم الذي يصبحون فيه، هم أيضا،  قادة لتلك القوات المدفونة في رمال الصحراء الغربية، والتي تئن يوميا تحت ضربات وهجمات المقاتلين الصحراويين، وتدفن قذائفهم جنودها أحياء. القوات الملكية في الصحراء الغربية، التي تحتمي بالجدران، هي دولة قائمة في حد ذاتها، ومن يقودها يحظى بسمع أكبر من سمعة رئيس الحكومة المغربية، ويكسب ماليا أكثر منه ويستحوذ على مؤسسات تفوق أرباحها مؤسسة الحكومة نفسها. فبأمر من الحسن الثاني شخصيا، في سنة 1975م، تمت ترك اليد حرة والحبل حر لضباط وقادة تلك القوات كي يفعلوا ما يشاءون في الصحراء دون رقابة: لهم حصة الأسد في نهب الثروات الصحراوية، لهم باع طويل في نهب الفوسفات والرمال، ولهم أساطيل كبيرة تسرق من الثروة السمكية الصحراوية ما تشاء، ولا أحد يتابع تجارتهم في الحشيش والمخدرات والمحروقات وبيع المواد الغذائية للجنود، وباختصار كانت لهم الحرية المطلقة في فعل أي شيء في الصحراء الغربية ما عدا شيء واحد: الخوض في السياسة. إن سياسة ترك الحبل على الغارب لضباط القوات الملكية كي تفعل ما تشاء في الصحراء هو الذي جعل أحلام العقداء والضباط تكبر وتتضخم وتتحول في بعض الأحيان إلى هواجس لا يقف أي وازع في طريقها. كان لعبيدي يظن إن هزيمة الغجدامي والترية، حين هربوا من المعركة، وموت الدليمي قد عبَّد له الطريق كي يصبح كولونيلا وقائدا عاما للقوات المسلحة في الصحراء الغربية إذا أبتعد شبح البناني. هو الوحيد الذي كان يظن أنه لم يهرب إلى حد تلك اللحظة، ولم يتعرض لهزيمة قاسية مثل التي تعرض لها الدليمي والغجدامي.
قبل عملية أم الدكن
فحين أجتمع الحسن الثاني مع ضباطه، ومن بينهم لعبيدي عبد السلام، في بداية سبتمبر 1988م، اجتماعا سريا، يوم واحد بعد التوقيع على قبول مخطط السلام( التوقيع على المخطط حدث يوم 31 اوت 1988م)، أخبرهم انه يريد إن يقوم بعملية نوعية استعراضية ضد قوات البوليساريو كي ينهي بها مرحلة الحرب ل" صالحه". فكَّر لعبيدي جيدا، رأى أمام عينيه فرصة لا تعوض تقترب؛ فرصة قد يزيح بها البناني، ويكتب بها تاريخا ومجدا فوق رمال الصحراء التي انهزم فوقها كل من قاد القوات المغربية منذ خمسة عشر سنة. أقترح لعبيدي إن يتم توجيه ضربة ساحقة للناحية العسكرية الثانية الصحراوية، وبعدها يمكن التفرغ لقوات للنواحي الصغيرة المتبقية والقضاء عليها واحدة واحدة([1]) في عمليات سريعة خاطفة. الاقتراح لم يلق القبول من بقية الضباط الذين كانوا يحاولون إخفاء تذمرهم، لإن الناحية الثانية الصحراوية هي العمود الفقري للجيش الصحراوي كله، ومسلحة تسليحا جيدا، وتمتلك المدرعات والمدفعية، ومن الصعب القضاء عليها أو توجيه ضربة حاسمة لها، وقد تعطي العملية نتائج معكوسة أو كارثية. تحوَّل التفكير إلى مهاجمة الناحية الثالثة التي لا تمتلك السلاح الثقيل ولا المدرعات، وتقاتل فقط على لاندروفيرات، والتي تعتبر، هي الأخرى، واحدة من النواحي التي قامت بأكبر عمليات استعراضية في حرب الصحراء كلها. في الأخير تكفل لعبيدي عبد السلام  وراجمته الثالثة بالتحرك نحو المنطقة الجنوبية التي تتمركز فيها الناحية الثالثة للقيام بتلك المهمة فقط. الراجمة الثالثة كانت في تلك الأيام من أقوى وحدات الجيش المغربي، خاصة بعد تسليحها باسلحة أمريكية وتدريبها على حرب العصابات في احراش جبال الأطلس لتعويض وحدات "أحد" و" الزلاقة" التي أبيدت في الوركزيز ولمسيد. كانوا يسمون تلك الراجمة )Protetcion  الحماية) وكانت مهمتها هي التدخل السريع لصد هجمات وحدات البوليساريو خاصة التي تقع منها في منطقة الجنوب. منذ بداية شهر سبتمبر 1988م، بعد اجتماع الضباط بالحسن الثاني مباشرة، تم إبلاغ تلك الراجمة أن قوات البوليساريو ستقوم بعملية كبيرة في القطاع الجنوبي، قطاع الناحية الثالثة التي يريد لعبيدي هزيمتها، وأن تلك العملية ستقع، لكن اللغز كان؛ أين ومتى ستكون تلك الضربة؟ توجهت الراجمة الثالثة بقيادة لعبيدي الطموح لتلك المنطقة، واستقرت غير بعيد من منطقة أم الدكن. في عمقه كان لعبيدي يريد أن يقضي على الناحية الثالثة وينال ثقة ملكه. بدأ العقيد يكثر من الاجتماعات ويوصل يوميا المعلومات، ويرسم الخطة.  كانت خطته، حسب بعض الجنود الذين وقعوا في الأسر([2]) في عملية ام الدكن، تتمحور حول رفع معنويات جنوده بالقول لهم، أن معركة لاندروفير هي معركة ساعة فقط، لإن الذخيرة القليلة التي تحملها سيارات لاندروفير تنتهي في ساعة، وأن المعركة القادمة ستكون فاصلة وقد تتعدى حدود الحزام. رسم لعبيدي خطته هكذا: يتم توزيع الراجمة الثالثة المغربية على فوجين؛ فوج يتدخل ويرسم معركة مع القوات الصحراوية المهاجِمة (الناحية الثالثة والأولى والسابعة) ليستنزفها، وفوج آخر يتدخل بعد ساعة لمطاردة القوات الصحراوية والقضاء عليها حتى ولو خارج الحزام الرملي الدفاعي. ووصلت ثقة لعبيدي في نفسه وفي طموحه وفي خطته وفي راجمته إلى قمتها حين قال لجنوده:" إذا انسحبوا سنطاردهم ولو في التراب الموريتاني."
عملية ام الكن وأسر لعبيدي
على الجانب الآخر، كان استطلاع النواحي الصحراوية الثلاث ( الأولى والسابعة والثالثة) مدعومة بوحدات المدفعية السادسة (ج) يجمع المعلومات عن المنطقة التي سيتم استهدافها. تمت دراسة الموقع جيدا، وتم أيضا التوصل إلى اكتشاف أن هناك قوة كبيرة للتدخل خلف الحزام الرملي. فمنذ بداية شهر سبتمبر، ولمدة أسبوعين، ووحدات الاستطلاع تجمع المعلومات، والقيادة ترسم الخطة. يوم 16 سبتمبر 1988م، كان هو اليوم المقرر للعملية. كانت الخطة الجديدة التي رسمت القيادة تستهدف بالدرجة الأولى النجدة، فالجيش المغربي منذ كثُرت الخسائر في صفوفه في الحزام، أصبح لا يترك في المواقع الأممية للحزام الدفاعي سوى بعض الوحدات الخفيفة التي تحرس المكان مسلحة بأسلحة خفيفة فقط، ويتم الاحتفاظ بباقي القوات للنجدة خلف الحزام في مكان آمن.
تمت الخطة على النحو التالي: يتم فتح الثغرة، تبدأ الناحية السادسة (ج) ترمي بالمدفعية الثقيلة من على بعد 12 كلم لترهيب النجدة وجعلها ترتبك قبل إن تتحرك. على الأرض تقوم الناحية الثالثة والأولى بالتوغل إلى العمق خلف الحزام الرملي والاستعداد للمواجهة مع النجدة أو تقوم باعتراض الذين سيفرون من القواعد الأمامية، أما الناحية السابعة فكانت مهمتها هي احتلال المواقع الأمامية والقواعد المستهدفة وتطهيرها وغنم معداتها وأسر جنودها. على الخامسة صباحا تم فتح الثغرة بالمتفجرات، وما أن شاهدت وحدة المدفعية الصحراوية- السادسة ج - الانفجار حتى بدأت ترمي بما لديها من صواريخ لدك مواقع العدو في الخلف وإرباك النجدة. في نفس اللحظات بدأت وحدات الناحية الثالثة والأولى المحمولة على لاندروفيرات العبور من الثغرة والتوجه إلى العمق، وتبعتها قوات الناحية السابعة التي ستسيطر على المواقع والقواعد الأمامية. بدأت المعركة، وجاءت النجدة من الخلف، فاختلط كل شيء في تلك الموقعة التاريخية.
نرافق سيارة مهمة في العملية
حين تبدأ المعركة، خاصة إذا كانت كبيرة بحجم عملية ام الدكن، تصبح كل سيارة مشاركة فيها وكل جندي وكل قائد له قصة خاصة به وله الكثير مما يحكي عن ما فعل وما رأى وما سمع. هنا ونحن نريد فقط أن نستعيد الحديث عن تلك العملية ونستنطقها كي يقرأ عنها الشباب الذي لم يسمع بها أو الذي ولد بعدها وأصبح في الجامعات كي يفتح أذهانه على حكي التاريخ الذي لا يريد أحد كتابته وقد يصبح جزاءا من النسيان.
حسب الخطة، انتشرت الناحية الأولى والثالثة، واحدة بجانب الأخرى، - الثالثة هي الغربية- خلف الحزام استعدادا للاشتباك مع النجدة التي ستأتي لا محالة. حين وصلت الناحية السابعة إلى القواعد التي ستحتلها وتطهرها تحركت النجدة اتجاه موقع الهجوم. الساعة السادسة صباحا. كانت أضواء النجدة كبيرة وأصوات سياراتها مخيفة. توجهت في البداية نحو الجهة التي تتواجد فيها الناحية الثالثة خلف الحزام، ثم، قبل إن تصل إليها بقليل، انحرفت اتجاه الشرق؛ اتجاه المكان الذي تُكمِّن فيه الناحية الأولى. حين وصلت إلى خط الكمين اشتبكت معها الناحية الأولى. جاء أمر إلى الناحية الثالثة بالالتفاف على الراجمة من الخلف ومطاردتها لمنعها من الرجوع وللتخفيف عن الناحية الأولى التي وقع عليها عبء التصادم الأولي مع تلك القوة الكبيرة. لم يدم الاشتباك طويلا، فرت الراجمة التي كانت تريد أن تطارد قوات البوليساريو في موريتانيا، والتي كان قائدها يحلم أن يصبح قائدا عاما للقوات في الصحراء الغربية بعد تلك العملية. هروب النجدة في الدقائق الأولى جعل الوحدات الصحراوية تتبعها تأسر وتدمر في صفوفها وتستولي على الغنائم. اختلطت سيارات النواحي في المعركة وبدأت المطاردة نحو العمق. على الساعة الثامنة والنصف تقريبا أصبح وقع المعركة يخف، انقشع غبارها، وبدأ المقاتلون الصحراويون يجمعون الغنائم ويطهرون المكان. في هذه الأثناء لم يبق يتكلم سوى المدفعية الصحراوية التي كانت لازالت ترمي بكل ما لديها من صواريخ وقذائف بعيدة المدى. في هذا الجو الذي اختلطت فيه النواحي الثلاث فوق أرض المعركة،  كانت هناك ثلاث سيارات للناحية الثالثة، متواجدة في مكان واحد، تتحرك قريبة من بعضها البعض في وضعية قتال تبحث عن الغنائم وتحاول أن تؤمن أي سيارة صديقة تنسحب حاملة الأسرى أو الغنائم. شاهدت السيارات الثلاث سيارتي طويوطا وشاحنة تركهما العدو خلفه فتوجت إليها. كانت الشاحنة غائصة في الرمل وتحتها جندي ميت، بينما سيارتا الطويوطا في حالة جيدة. قامت سيارتان من الثلاث بالذهاب بالطيوطيتين الغنيمة إلى الثغرة وبقيت السيارة الثالثة، لاندروفير تحمل مدفع B10 تضم ثلاثة مقاتلين هم عالي بجيجة قائد السيارة والرامي، والسائق الشجاع الزيعر يربى، والمذخر والرامي في نفس الوقت باب احمد السالك. حين كان طقم تلك السيارة، التي بقيت تتحرك في الميدان علها تساعد أو تؤمن الانسحاب، يتحدث فيما عليه إن يفعل شاهد حركة بعض الأشخاص وجسم يشبه سيارة بين مرتفع وتل يبعدون بمسافة عنهم. نظر عالي في مرآة ضبط المدفع B10 فتأكد أن اولئك الأشخاص وتلك السيارة يبعدون عنهم ب 4 كلم بالضبط. لم يعرفوا هل هي سيارة صديقة أم للعدو، لكن الذي أثار انتباه ثلاثتهم معا هو أن السيارة التي شاهدوا بالقرب من تلك المجموعة، التي يبدو أنها تناقش، لها شيء يشبه المقدمة( كَبُّونْ) في حين إن سيارات النواحي كلها بلا كبونات( دريميزات)، ولونها أيضا يختلف. ذلك الشك جعل الرامي، عالي، يتفق مع طقمه على رماية تلك السيارة والأشخاص الذين بقربها بقذيفة مضادة للدروع حتى يتأكد من هويتهم وحتى لا تضرهم القذيفة إذا كانوا أصدقاء. فعلا، أطلق نحوهم قذيفة م د( مضادة للدروع) فوقعت بينهم وثار الغبار. تحركوا بطريقة مرتبكة ثم عادوا. رمى القذيفة الثانية – دائما قذيفة مضادة للدروع- فأسرع أولئك الأشخاص نحو السيارة وانطلقوا هاربين. هنا عرف طقم سيارة الناحية الثالثة الذي رمى القذيفتين، إن تلك السيارة هي سيارة معادية، وعرف أيضا أنها اتجهت نحوهم. اختفت تلك السيارة خلف تل، فقام السائق الزيعر وباب بأخذ وضعية الرماية. وضع عالي الرصاص الحارق في بندقيته وهبط وأخذ وضعية الرماية مع رفيقيه في انتظار أن تظهر السيارة من جديد. غير بعيد عن المكان الذي أخذت فيه المجموعة وضعية الرماية، كان يوجد حزام آخر هو حزام الحماية الخلفي الذي تختفي خلفه القيادات والعتاد والمؤن. كان قريبا منهم، على بعد عدة أمتار فقط أو بالتدقيق على بُعد اقل من مئة متر. بعد عدة دقائق ظهرت السيارة المعادية التي كان الرفاق الثلاثة ينتظرون ظهورها. ظهرت السيارة، كانت، فعلا، سيارة للمغاربة، والذي ظنه عالي ورفاقه في البداية " كبونا"، لم يكن كذالك، إنما كان غابة من أسلاك الاتصال الواقفة تحيط بمقدمة السيارة. حين أصبحت السيارة على بعد 100 متر تقريبا توقفت، وبدأ الضباط المغاربة الذين بداخلها يطلبون من مجموعة عالي إن ترفع يديها وتستسلم. كانوا يتكلمون بالفرنسية وبالدراجة فلم تفهم المجموعة ما يقولون. من الجانب الآخر بدأ طقم السيارة الصحراوية يأمر راكبي السيارة المغربية بالنزول والاستسلام.  كانت سيارة طويوطا دخناء مثل لون الطين. تيقن عالي ورفيقاه أن المتواجدين بالسيارة هم شخصيات مهمة، فبدؤوا يفكرون في كيفية يقبضون بها عليهم أحياء. لا توجد نجدة بالقرب منهم، والأسلحة جاهزة للرماية عليهم، خاصة على السيارة، وبالتالي لم يبق سوى الرماية على العجلات ليتم القبض على حوالي ستة من خيرة ضباط الجيش المغربي يقودهم لعبيدي عبد السلام. حين كان الضباط يصرخون في المقاتلين الصحراويين، وكان هؤلاء يفكرون في كيفية القبض على السيارة بمن فيها، كانت سيارة أخرى للناحية الثالثة أيضا يقودها البلال ديدي قد شاهدت تلك السيارة أيضا، وعرفت أنها مغربية، فتوجهت نحوها وبدأت ترمي نحوها بطلقات رشاش 23 ملم. أصبحت مجموعة عالي وسيارة الضباط المغاربة تحت النار. فشلت خطة القبض على من في السيارة أحياء.  لم يبق أمام أولئك المقاتلين الذين كانوا يريدون أسر تلك السيارة ومن فيها خيارا ما عدا إطلاق النار عليها حتى لا تهرب. أطلقوا النار على عجلاتها وعلى خزانها. حين بدأت  طلقات رشاش سيارة 23 ملم وطلقات مجموعة عالي تصيب السيارة المغربية، هربت هذه الأخيرة لكن كانت مصابة. بدأت تتحرك والبنزين يسيل منها وعجلاتها مثقوبة. دخلت من فتحة في ربط الحماية القريب منهم. تبعتها سيارة عالي وجماعته، لكن بدل إن تدخل هذه الأخيرة من الثغرة صعدت فوق الحزام وبقيت فوقه. دخلت سيارة الضباط المغاربة من الفتحة فانقلبت بجانب الحزام، ودخل الضباط الستة تحتها ليحمون أنفسهم. كانوا جرحى وبعضهم مات. في تلك اللحظات وصلت سيارة الرشاش 23 ملم التي يقودها البلال، ومن خلفها سيارة أخرى للناحية الثالثة أيضا، وأحاط الجميع بالسيارة وبعضهم صعد فوقها. لم يكن أي الذين وصلوا إلى تلك السيارة يعرف إن الذين يوجدون تحتها هم ضباط كلهم، وبقيادة قائد الراجمة الثالثة لعبيدي عبد السلام. حين كان الزيعر يربى يحاول استخراج لعبيدي من تحت السيارة قال له:  لا تلمسني. أديني عند القائد ايوب لحبيب". صعد عالي إلى السيارة يحمل سلاحه، فتفأجا بشخص في السيارة سليم، وبشرته بيضاء فظنه جندي مغربي. وضع عالي السلاح عند صدغه يريد إطلاق النار عليه، لكن، من حسن الحظ، لم يفعل. لم يكن ذلك الشخص الذي ظنه عالي جنديا مغربيا سوى أحد المقاتلين الذين جاؤوا مع سيارة البلال ديدي، وكان هو الآخر يريد تأمين رفاقه فربما يوجد جندي مغربي في السيارة التي تم الاستيلاء عليها.  نزل على ثم أمسك بمرفق اصغر ضابط فيهم، وحين كان يساعده على الصعود إلى السيارة، قال له وهو يشير إلى لعبيدي: هذا هو لعبيدي عبد السلام قائد الراجمة." كان لعبيدي مجروحا ورجله مكسورة ومصاب على مستوى تحت العمود الفقري والبطن إصابة بليغة، وسرواله ممزقا وساقطا عن فخذه. كان نائبه الركراكي مصابا على الذراع إصابة بليغة أيضا. كان إثنان من الستة قد ماتوا منهم قائد محطة الاتصال. تم وضع الأحياء في سيارة البلال، سيارة الرشاش 23 ملم وذهبت بهم بسرعة. قبل إن تغادر سيارة B10 قام عالي بنزع جهاز محطة الاتصال الكبيرة والعجلة الاحتياطية وبعض الوثائق ووضعها في سيارته. حين كان عالي يدور بالسيارة طلب منه المقاتل البطل عمار أحمد سالم ولاعة كي يحرق السيارة، لكن لم تكن عنده ولاعة. أعطاه طلقات من ذخيرة كلاش الحارقة. وجَّه عمار النار نحو السيارة فتحولت إلى كتلة من اللهب في ثواني. البطل عمار احمد سالم يجب أن لا يمر علينا عبر هذه اللقطة التاريخية فقط وننساه. حين كان هو وبعض الرفاق يؤَمِّنون انسحاب رفاقهم وجدوا أنفسهم وجها لوجه أمام فصيلة من الجيش المغربي تتكون من خمسة عشر جنديا. اقتحمهم هو ومجموعته، ثم حين أصبح وسطهم وبدؤوا يطالبونه بالاستسلام، فكر أن فرصة جاءته على طبق من ذهب. أقترب منهم أكثر وحين وصل إليهم وطلبوا منه أن يرمي سلاحه أطلق عليهم النار وقضى على تلك الفصيلة كاملة دفعة واحدة. راح يطلق النار في كل الاتجاهات ويصيب الجنود المغاربة، وحين انتهت ذخيرة وأطلق آخر طلقة وأصبحت بندقيته " تكح الدخان" فقط وقع في الأسر. التحق بمجموعة ال 66 المعروفة. وبسبب عمليته تلك التي قضى فيها على فصيلة من الضباط المغاربة ظلوا يضربونه على الرأس بالمطارق حتى يفقد توازنه، لكن بقى صامدا حتى النهاية، وحين خرج من السجن منتصرا والتحق بشعبه استشهد بعد ذلك. رحمه الله.   

تحليل ما حدث؟
القبض على لعبيدي عبد السلام بهذه الطريقة، وهو في سيارة غير سيارته الرسمية، إنما في سيارة اتصال الراجمة ومكسورة رجله ومجروح، يطرح بعض الأسئلة التي يمكن أن يكون جوابها - بكل تأكيد- عند الأجهزة الأمنية الصحراوية وتحتفظ بها لإن ذلك من اختصاصها لإنها هي التي استجوبت الضباط الذين أُلقي عليهم القبض معه. المهم التفسيرات والروايات تتفرق وتتقاطع، ومنها من يقول أن سيارة أو مصفحة لعبيدي تم استهدافها وإصابتها في البداية حين اشتبكت راجمته مع الناحية الأولى، وان سبب هروب الراجمة هو علم جنودها بإصابة راجمة قائدهم، وأنه من الممكن أن يكون أصيب في رجله في تدمير عربته التي بدون شك لا بد انها مصحفة، أما البعض الآخر فيرى أن عربة لعبيدي لم تكن في المقدمة لإن من عادة الجيش المغربي أن لا يدفع بقيادته إلى المقدمة، إنما يبقون في الخلف. ويصل الذين تحدثت معهم حول تلك المعركة المفخرة إلى اللجوء إلى الافتراض، فيقولون،  لو كان لعبيدي أصيب في " تدمير" عربته "المفترض" في بداية المعركة، هل كان سيبقى حتى بعد مرور ساعتين من انتهائها، دون أن يتم خطفه مباشرة إلى الخلف وحمله في طيارة إلى المستشفى؟ إذن، الاحتمال- الاحتمال فقط- بعد عدم تمكننا من المعلومات الدقيقة، أن لعبيدي أصيب في تبادل النيران مع مجموعة سيارة لاندروفير ومجموعة الرشاش 23ملم  التي كانت ترمي من بعيد.
 تنكر الحسن الثاني لضباطه.. لعبيدي يتم دفنه ككلب في الصحراء
كانت قصة تصفية الدليمي التراجيدية بالشاحنة المعروفة درسا لكل من أراد أن يكتب مجدا أو يقيم معرضا للأوسمة والنياشين على صدره بانتصارات يحققها على حساب المقاتلين الصحراويين في الصحراء.. الدليمي تم توبيخه وتم حتى اتهامه بأنه كان يتعامل مع البوليساريو رغم أنه قضى على مئات الجنود المغاربة الذين تمردوا أو سبوا الحسن الثاني أو رفضوا الذهاب إلى حرب الصحراء. الغجدامي أيضا كان درسا آخرا، تم تجريده من كل أوسمته ونياشنه، ولم تبق له سوى البذلة العسكر وراتب التقاعد، وملف في وزارة الدفاع يحمل الكثير من التوبيخ والوصف بالجبن والاتهام بالفرار من أكثر من معركة، وانه هو سبب كل هزائم الجيش المغربي.
جاء الدور على الكبش الآخر لعبيدي عبد السلام، ليذهب إلى المسلخ. حين تم أسره في عملية ام الدكن العسكرية التي كان يحلم أن يحقق بعدها نصرا يرقيه على جناح السرعة إلى مرتبة قائد للقوات المغربية في الصحراء؛ عملية كان الحسن الثاني يريد أن ينهي بها الحرب لصالحه، تنكر له ملكه مثلما يتم التنكر لأي كلب خائن تطارده عِصي المشمئزين. فقبل ستة عشر يوما من تلك العملية كان لعبيدي في اجتماع مع الحسن الثاني الذي كان يحثه على النصر، لكن حين تم القبض عليه نكره وتنكر له وأدعى انه جندي بسيط فقط. تم حمل جثة لعبيدي عبد السلام كي يتم تسلمه من طرف السلطات المغربية مثلما تفعل أية دولة تحترم ضباطها وجنودها، إلا أن الحسن الثاني، خوفا من الاعتراف بالبوليساريو، رفض تسلمه ورفض أن يدخل حتى وهو ميت التراب المغربي. تمت إعادة جثة لعبيدي ودفنها في الخلاء، بدون اسم، بدون مراسيم وبدون علامة شهيرة مثله مثل أي كلب مجهول أجرب. الآن قبره الموجود في الحمادة لا يحمل أي علامة، وبدأت الريح وعوامل التعرية تنتقم منه وتمحو أسطورته من التاريخ. في الرواية الرسمية فإن العقيد لعبيدي مجهول المصير، لكن الحقيقة أنه مدفون في مكان تمر منه الريح يوميا الحمادة.
كل هذه المعارك الباسلة الكبيرة هي في طريقها إلى النسيان، وإذا لم نكتب عنها ستصبح مستقبلا منسية كأنها لم تحدث أبدا في تلك الصحراء التي تنسى بسرعة.

الفيس بوك: السيد حمدي يحظيه أو sid hamdi yahdih
Email: sidhamdi@yahoo.es