السبت، 21 يناير، 2012

الصحراء الغربية: الحرمان من الحق في تقرير المصير وانتهاكات حقوق الإنسان"


قدم السيد غيثي النح، عضو جمعية ضحايا الألغام، نيابة عن المجتمع المدني الصحراوي مداخلة أمام المشاركين في فعاليات منتدى الأرض، المنظم ما بين يوم 15 و 17 يناير الجاري بفندق كاتاراكت بالعاصمة المصرية، القاهرة، بمشاركة فاعلين من دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.


المداخلة التي أعدها الأمين العام لاتحاد الصحفيين والكتاب الصحراويين، ماء العينين لكحل، لتمثيل القضية الصحراوية في هذه الندوة المنظمة من طرف شبكة حقوق الأرض والسكن تحت عنوان: "الأرض وسيادة الشعوب وتقرير المصير"، ركزت على ظاهرة الإنتهاكات المغربية لحقوق الإنسان والتي شكلت ظاهرة ملازمة لحرمان الشعب الصحراوي من حقه الشرعي في تقرير المصير والإستقلال وفقا لميثاق الأمم المتحدة.


وفيما يلي نص المداخلة كاملا:
--------------------------


الصحراء الغربية: "الحرمان من الحق في تقرير المصير وانتهاكات حقوق الإنسان"

ل: ماء العينين لكحل
قدمها بالنيابة عنه، غيثي النح، عضو جمعية ضحايا الألغام
17 يناير 2012
القاهرة، جمهورية مصر العربية


في شهر مايو/آيار من سنة 2006، وللمرة الأولى منذ تبني الجمعية العامة للأمم المتحدة للائحتها المشهورة رقم 1514، زارت بعثة من المفوضية السامية لحقوق الإنسان الصحراء الغربية للتحقيق في وضعية حقوق الإنسان في هذه المستعمرة الأخيرة في إفريقيا، وأنهت مهمتها بكتابة تقرير خلصت فيه إلى أنه:
"1. وكما تم النص عليه في مختلف هيئات الأمم المتحدة فإن حق شعب الصحراء الغربية في تقرير المصير يجب ضمانه وتطبيقه دون المزيد من التأخير. وكما تم التأكيد عليه أعلاه فإن البعثة قد خلصت أن كل انتهاكات حقوق الإنسان وكل الانشغالات المتعلقة بشعب الصحراء الغربية، سواء تحت الإدارة الفعلية للحكومة المغربية أو جبهة البوليساريو، هي انتهاكات ناتجة عن عدم تطبيق تقرير المصير كحق أساسي من حقوق الإنسان".

غير أن هذا التقرير قد بقي ممنوعا من النشر الرسمي لأن فرنسا، العضو القوي في مجلس الأمن، ترفض أي نوع من حماية أو مراقبة حقوق الإنسان في الصحراء الغربية.

إن الحق في تقرير المصير هو مبدأ مقدس أسس عليه القانون الدولي وكل المعاهدات الدولية. وهو مبدأ مؤسس لميثاق الأمم المتحدة ويعتبر أحد الأعمدة الأربع للشرعية الدولية. وهو أيضا حق أساسي في العهدين الدوليين، ويشكل حاليا أحد أهم مطالب كل الثورات والاحتجاجات في العالم العربي، حيث "تريد" الشعوب، وحيث "تطالب"، و"قررت" أن تأخذ مصائرها السياسية بأيديها.

لقد عرف المنتظم الدولي الصحراء الغربية بكل وضوح ك"بلد لا يتمتع بالاستقلال الذاتي"، وقد عرف شعبها في أدبيات الأمم المتحدة باسم "شعب الصحراء الغربية"، واعترف له وفقا لمختلف لوائح الأمم المتحدة المتبناة منذ سنة 1963 بالحق في ممارسة تقرير المصير للاختيار ما بين "الاستقلال التام"، و"الحكم الذاتي" أو حتى "الانضمام إلى كيان سياسي قائم". غير أن شعب الصحراء الغربية لازال محروما من ممارسة حقه في تقرير مستقبل وطنه.

وكنتيجة لهذا التنكر فيمكن تشخيص عدد كبير من الأوضاع الشاذة التي تطبع حياة ووضعية هذا البلد وشعبه، وأود في هذه الورقة أن أركز بالخصوص على الانتهاكات المنهجية لحقوق الإنسان في الصحراء الغربية، حيث أن المغرب ينتهك بشكل ممنهج الحقوق السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية والبيئية لهذا الشعب دون حسيب أو رقيب.

1- الحقوق المدنية والسياسية:

لقد غزت القوات العسكرية المغربية إقليم الصحراء الغربية يوم 31 أكتوبر/تشرين الأول من سنة 1975 في انتهاك صارخ لميثاق الأمم المتحدة، وفي انتهاك لحق الشعب الصحراوي على أرضه. وقد كان البلد آنذاك مستعمرة اسبانية، وكانت الأمم المتحدة قد توصلت إلى اتفاق مع مدريد لتنظيم استفتاء لتقرير المصير للصحراويين سنة 1975. لكن بدلا من ذلك، أرغمت فرنسا والمغرب حكومة الجنرال فرانكو الذي كان يحتضر، على توقيع اتفاقية ثلاثية غير شرعية مع المغرب وموريتانيا يقتسم بموجبها البلدان، العربيان والجاران، الصحراء الغربية في حين تحافظ اسبانيا على وضعية خاصة وتحافظ على استغلال 30 في المائة من الفوسفات في حين تبقى لها الأولوية في استغلال ثروات الصحراء الغربية الهائلة من السمك.

إذا فقد انتهك المغرب حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير، وكنتيجة لذلك واصل انتهاك حقوق هذا الشعب المدنية، والسياسية في: السلامة الجسدية والأمن، وحقه في الحماية من كل أنواع التمييز، بالإضافة إلى الحقوق الفردية مثل حرية التفكير والتعبير، والحرية الدينية، والحرية في تأسيس الجمعيات ووسائل إعلام..الخ. ونتج عن هذه الانتهاكات سلسلة من جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية بالإضافة إلى ظاهرة الاختفاء القسري والممارسة الممنهجة للتعذيب المرتكبة من طرف مختلف السلطات المغربية.

ففي السنوات الأولى من الغزو ارتكب الجيش المغربي فظاعات كثيرة ضد المواطنين الصحراويين تمثلت في القتل الجماعي لآلاف العائلات البدوية خصوصا، وتسميم الآبار ومنابع المياه في الصحراء، كما قضى الغزو على قطعان الماشية التي كانت تشكل أساس الثروة الاقتصادية للشعب الصحراوي. وقد اعترف المجلس الاستشاري المغربي لحقوق الإنسان سنة 2010 بمسؤولية الدولة المغربية في وفاة حوالي 352 صحراويا قتلوا، حسب التقرير "بسبب ظروف الاعتقال السيئة" في عدد من السجون السرية المغربية. ولم تتخذ أية خطوات أخرى بخصوص هذه المسؤولية لأن عائلات الضحايا لم تتوصل قط بمعلومات من طرف الدولة حول مصائر أبنائها قبل أن تطلع على هذا التقرير الذي توصلت به عن طريق بعض المنظمات، لأن المجلس المغربي المذكور قد استعمل هذا التقرير دون كثير إشهار داخل مجلس الامم المتحدة لحقوق الانسان فقط.

ولم تتوقف الانتهاكات يوما منذ سنة 1975، حيث أن مئات الصحراويين خاضوا تجربة الاختفاء القسري، لأزيد من
15 سنة في معظم الحالات، قبل أن يتم إطلاق سراح أغلبهم دون سابق إنذار سنة 1991، غير أن الظاهرة لم تتوقف لأن آخر حالة مسجلة تعود إلى سنة 2005 وتتعلق ب15 ناشطا شابا اختفوا ولازالت عائلاتهم تطالب الدولة المغربية بالكشف عن مصيرهم.

وتضاف ظاهرة التعذيب الممنهج لظاهرة الاختفاء القسري، حيث أن السلطات المغربية تمارس التعذيب بشكل ممنهج ضد المتظاهرين، والمعتقلين، والموقوفين ليس فقط في السجون وفي مراكز الشرطة بل وفي الشوارع وخارج المدن في الخلاء. فمنذ سنة 2005 تعرض العديد من المتظاهرين للتوقيف غير أن الشرطة لا تأخذهم لمراكز الشرطة بل تقودهم إلى الخلاء خارج المدن وتعرضهم للضرب المبرح، وفي أحيان كثيرة للاغتصاب، وتتركهم في أغلب الحالات مغشيا عليهم 40 إلى 50 كيلومترا خارج المدن.

وتواجه المظاهرات في الصحراء الغربية دائما بالتدخل البوليسي العنيف، حيث تعرض آلاف الصحراويين للجرح، وللاعتقالات، وللتعذيب، وللضرب وللقتل بعد مشاركتهم في مظاهرات سلمية. وتجدر الإشارة إلى أن الشرطة المغربية لا تحتمل رؤية المتظاهرين الصحراويين وهم يرفعون أعلامهم الوطنية أو يرفعون شعارات تنادي باستقلال الصحراء الغربية.

من جهة أخرى فإن المنظمات الصحراوية لحقوق الإنسان، وبدون استثناء، تعتبر منظمات غير قانونية من طرف الدولة المغربية وتعامل على هذا الأساس. حتى في حالة "الجمعية الصحراوية لضحايا الإنتهاكات الجسيمة المرتكبة من طرف الدولة المغربية" التي حصلت على حكم من المحكمة العليا المغربية بالحق في العمل وفقا للقانون المغربي، فإن السلطات المغربية لم تعترف يوما بمناضليها وبحقهم في مراقبة وضعية حقوق الإنسان. بل إن رئيسها، ونائبته وأعضاء من مكتبها التنفيذي يتعرضون لكافة أشكال الانتهاكات والمضايقات.

منظمة أخرى، هي "تجمع المدافعين الصحراويين عن حقوق الإنسان"، والذي ترأسه المدافعة المعروفة عن حقوق الإنسان، السيدة أمينتو حيدر، لم يسمح لها بالعمل مطلقا ومنعت من التأسيس. والآن ونحن نتحدث يعتقل المغرب عددا كبيرا من المدافعين الصحراويين عن حقوق الإنسان وأذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر: النعمة أسفاري، أحمد لمجيد، أحمد السباعي، ابراهيم الإسماعيلي، محمد التهليل، بنكا الشيخ، الحافظ إعزة، محمد منولو، المحجوب أولاد الشيخ، وغيرهم. وهناك الآن 64 معتقلا سياسيا صحراويا في المعتقلات المغربية، 22 منهم أضربوا عن الطعام منذ يوم 31 أكتوبر/تشرين الأول 2011 ليستمروا في ذلك لـ38 يوما مطالبين بكل بساطة بمحاكمة عادلة أو بإطلاق سراحهم بشكل فوري، في حين يجب أن أشير إلى أنهم قد اعتقلوا منذ شهر نوفمبر 2010، وهاهي سنة تمر على اعتقالهم دون محاكمة، في حين أن المغرب مصر على محاكمتهم أمام محكمة عسكرية بالرباط، وقد أعلن مؤخرا عن النية في محاكمتهم عسكريا يوم 13 يناير الجاري.

إن المعتقلين السياسيين الصحراويين محرومين من حقهم في الإجراءات القانونية العادلة، مثل الحق في الدفاع، والحق في المحاكمة العادلة، والحق في البحث عن النقض العادل..الخ والصحراويون عموما محرومون من حقهم في المشاركة في فعاليات المجتمع المدني والحق في تشكيل الجمعيات، والحق في التظاهر، والحق في التصويت في استفتاء لتقرير المصير يحددون عبره المستقبل السياسي لبلدهم.

2- الحقوق الاجتماعية والاقتصادية:

منذ سنة 1975 شن المغرب سياسة نهب ممنهجة لثروات الصحراء الغربية دون الموافقة المسبقة للشعب الصحراوي أو لممثله الشرعي، جبهة تحرير البوليساريو. وفي سنة 2002 طلب مجلس الأمن من نائب الأمين العام للشؤون القانونية، هانز كوريل، أن ينظر في شرعية استغلال ثروات الصحراء الغربية. وقال المختص الاممي وبوضوح بلاشرعية استغلال ثروات البلدان التي لا تتمتع بالاستقلال الذاتي ما دام مسار تصفية الاستعمار منها لم يستكمل. غير أنه قال بإمكانية هذا الاستغلال فقط في حالة استفادة شعب الصحراء الغربية التام من مداخيل هذا الإستغلال، وإلا فعلى المغرب وقفه تماما.

وهنا لا بد من التأكيد بأن الدعاية المغربية قد تحدثت دائما عن ما تسميه "مسار تنمية وتطوير الصحراء". غير أنه وفي 10 أكتوبر/تشرين الأول 2010 قام أزيد من 20.000 مواطن صحراوي من الجنسين ومن مختلف الأجيال ببناء حوالي 8000 خيمة في مخيم "اكديم إيزيك" (12 كيلومترا شرقي عاصمة الصحراء الغربية، مدينة العيون المحتلة) للمطالبة بأبسط الحقوق الاقتصادية والاجتماعية التي يحرمهم المغرب منها، حسب قولهم. وفعلا فإن هذا المخيم الاحتجاجي الذي قال الفيلسوف الأمريكي، ناعوم اشتومسكي، أنه كان الشرارة الأولى للثورات العربية، كان يطالب بحق المواطنين في العمل، وحقهم في السكن، وفي الخدمات الاجتماعية مثل العناية الصحية وأسباب المعاش الكريم، وحقهم في الاستفادة من ثروات بلادهم المنهوبة، ولكن أيضا حقهم في الكرامة وحقوقهم السياسية. لكن الرد المغربي جاء شهرا بعد بداية المخيم، حيث أحرقت هذه الخيم الـ8000 يوم 8 نوفمبر/تشرين الثاني 2011 من طرف الجيش، وقتل أربعة صحراويين، من بينهم طفل في الـ14 من العمر، الناجم الكارحي، واعتقل آلاف المواطنين، وضربوا، ونكل بهم، وسجن المئات منهم لأيام، وروى ناجون منهم أهولا تعرضوا لها على أيدي الجيش والشرطة المغربيين وصلت لاستعمال الاغتصاب كسلاح وكعقاب، في حين احتفظت السلطات ب24 منهم في السجن وهم من تم تقديمهم للمحاكمة العسكرية بالرباط مؤخرا.

إن الصحراويين ومن مختلف الشرائح والفئات الاجتماعية ينظمون مظاهرات، ووقفات، وإضرابات عن الطعام للمطالبة بحقوقهم الاقتصادية الأساسية، لكن الرد الطبيعي من طرف السلطات المغربية هو القمع. وتؤكد المنظمات الحقوقية الصحراوية أن المغرب يتبنى سياسة ممنهجة لتفقير المواطنين الصحراويين في بلادهم. وبالفعل فإن الصحراويين محرومين من الحق في العمل، ومحرومين من الحق في الاستثمار في قطاعات اقتصادية معينة، ومعرضين لكافة أنواع المضايقات الاقتصادية خصوصا إذا ما كانوا ممن يرفعون شعار الدفاع عن استقلال الصحراء الغربية. وفي معظم الحالات يتعرض هؤلاء للطرد من العمل، أو تجمد مرتباتهم، أو يحرمون من أي نوع من الترقية إذا ما واصلوا الدفاع عن تقرير المصير.

أما الطلبة الصحراويون فإنهم يتعرضون للمضايقات التي تؤثر على تمتعهم بالحق في التعليم، حيث يضطرون للسفر إلى المدن المغربية للتحصيل العلمي لأن الدولة المغربية لم تبني جامعة واحدة ولا معهدا عاليا واحدا في المدن المحتلة من الصحراء الغربية. حتى طلبة المدارس الثانوية لم يسلموا من المضايقات البوليسية، فمنذ سنة 2005 أقامت السلطات المغربية نقاط للجيش والشرطة داخل المدارس الابتدائية والثانوية لمنع التلاميذ من تنظيم مظاهرات سلمية، غير أن هذا التواجد اليومي لا يتسبب سوى في المزيد من المواجهات والانتهاكات.

3- الحقوق الثقافية

إن أول ما استهدفه المغرب خلال غزوه سنة 1975 هو الحياة البدوية للشعب الصحراوي، حيث أرغم آلاف المواطنين على التنقل عنوة إلى داخل المدن، في حين تم تقتيل الآلاف خلال الهجمات أو أرغموا على الهرب من بلادهم بحثا عن ملجأ آمن في الجزائر حيث لا زالوا يعيشون في مخيمات للاجئين منذ سنة 1976 معتمدين على المساعدات الإنسانية.

كما أن السلطات المغربية قد استهدفت المكون الإسباني في الثقافة الصحراوية، حيث منعت تدريس واستعمال اللغة الإسبانية في المدارس منذ سنة 1977 متسببة في توقف مئات التلاميذ الصحراويين عن متابعة دراستهم بسبب مشاكل في التأقلم مع المقررات الجديدة.

ومؤخرا بدأت السلطات المغربية في استهداف الخيمة الصحراوية التقليدية، أو أي خيمة يستعملها الصحراويون لأي غرض مهما كان، وذلك كشكل من أشكال التضييق والانتقام من المواطنين لاستعمالهم للخيمة كرمز للمقاومة خلال مخيم "اكديم إيزيك" سنة 2011.

من جهة أخرى فإن الكتاب الصحراويين لا يستطيعون الكتابة حول الثقافة أو التاريخ أو السياسة في الصحراء الغربية، ويمارس أغلبهم الرقابة الذاتية لأنهم مرغمون لو كتبوا بأن يختلقوا روابط بين الثقافة الصحراوية والثقافة المغربية أو تمنع كتبهم من الطبع. بل أن المغرب ذهب أبعد من ذلك بإدراجه للهجة الحسانية، لغة الشعب الصحراوي، في الدستور المغربي كلهجة مغربية. وتنظم السلطات المغربية مهرجانات ثقافية عديدة للترويج لفكرة أن الإرث الثقافي الصحراوي هو جزء من الإرث المغربي. وبالمقابل لا تستطيع الجمعيات الصحراوية أو المثقفون الصحراويون التعبير عن آراءهم حول محاولات الاستحواذ على ثقافتهم من طرف القوة المحتلة خوفا من الاعتقال والقمع.

4- انتهاك التوازن البيئي في الصحراء الغربية

شرع الغزو المغربي احتلاله للصحراء الغربية أيضا بتسميم شامل للآبار وعيون المياه، كما أعطى ملك المغرب الراحل، الحسن الثاني، أوامره للجيش بقتل كل ما يتحرك في الصحراء لإرغام البدو الصحراويين للجوء للمدن حتى تتمكن سلطاته من السيطرة على الصحراويين. ويتحدث الناجون الصحراويون عن هجمات إبادة للجيش المغربي ضد قطعان الماشية، من إبل وغنم والتي كانت تشكل أهم ما يملكه البدو الصحراويون من ماشية، حيث كانت كل عائلة بدوية صحراوية تمتلك مئات الرؤوس من الماشية، وفي سنة 1976 اضطر معظمهم للهرب بأرواحهم من قصف القوات الجوية المغربية بقنابل النبالم والفسفور الأبيض. وخلال هذه الهجمات سقطت آلاف الأرواح بعيدا عن أعين العالم المتمدن الذي كان يصفق للمغرب على "مسيرته الخضراء"، كما راحت مئات آلاف رؤوس الماشية ضحية لهذه الهجمات.

من جهة أخرى أقام الجيش المغربي أضخم جدار عسكري موجود على الأرض حاليا. ستة جدران عسكرية بنيت ما بين سنة 1981 و 1987 لتحيط بالمدن الصحراوية، ولكن أيضا لتحمي خلف الجدران ثروات الصحراء الغربية حتى يتسنى للمغرب نهبها دون مشاكل. وقد أقام المغرب حوالي 4000 كلم من الجدران الرملية، مستعملا أزيد من 5 ملايين لغم حسب أكثر التوقعات تواضعا. والآن يبلغ الجدار الفعلي المستعمل حوالي 2700 كلم رغم أن بقية الجدران لا زالت تشكل خطورة كبيرة بسبب الاستعمال العشوائي للألغام من طرف الجيش المغربي خلال السبعينات والثمانينات.

إن الجدار المغربي لا يقسم الشعب الصحراوي إلى نصفين فقط، بل يتسبب في عرقلة مجاري المياه من وديان وأنهار، ويتسبب في مشاكل كبيرة للمواشي. كما أنه قضى على الحياة البدوية التي كانت معروفة بحرية التنقل والحركة في الصحراء، ولا زالت ألغامه تشكل تهديدا دائما على البشر والحيوانات.

الجدار المغربي أثر كثيرا على الحياة البرية في الصحراء الغربية، فمثلا يعاني الغزال الصحراوي الشهير من خطر الانقراض بسبب الألغام وبسبب عجزه عن التنقل بحرية في الصحراء كما درج على القيام به منذ قرون. ونفس خطر الانقراض تعاني منه مختلف الكائنات البحرية التي تتعرض للاستغلال البشع مما يهدد الشواطئ الصحراوية الغنية بالفقر المدقع مستقبلا.

5- تقرير المصير ومستقبل السلم في العالم

لقد بينت الثورات العربية أمرا هاما وهو: أن الشعوب ستناضل وستواصل نضالاتها من أجل الحصول على حقوقها الأساسية، وبالخصوص حقوقها المقدسة في أوطانها وفي مستقبلها. ولا يستطيع أي نظام أو قوة حرمان الشعوب من سيادتها على بلدانها، وعلى ثرواتها الطبيعية، وعلى حقها الطبيعي في تقرير المستقبل السياسي لأوطانها.

هذا هو الدرس الرئيس الذي يقدمه الربيع العربي للعالم، وهذا هو بالذات ما يكافح من أجله الصحراويون منذ اليوم الأول من احتلال الصحراء الغربية منذ سنة 1884. فلقد قاوم الصحراويون الغزو البرتغالي منذ القرن الخامس عشر، وقاوموا بعدهم البريطانيين، والألمان، والفرنسيين، والإسبان، ولم يكن لهم من خيار آخر غير مقاومة إخوتهم المغاربة والموريتانيين، حينما انتهك هذان النظامان أواصر الأخوة والجوار.

إن حالة الصحراء الغربية دليل صارخ على فشل النظام الدولي الحالي الذي تسيطر عليه الحكومات القوية للدول الخمس الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، والتي جعلت من الأمم المتحدة أكبر منظمة دولية غير ديمقراطية في العالم. إن الصحراء الغربية معترف بها من طرف ما يسمى "المنتظم الدولي" كبلد لا يتمتع بالاستقلال، أي بلد مستعمر، ومعترف بالشعب الصحراوي كالمالك الشرعي للسيادة على الصحراء الغربية غير أن العالم يشيح بنظره بعيدا في الوقت الذي يواصل المغرب احتلاله غير الشرعي للبلد ويواصل انتهاكاته لحقوق الإنسان دون حسيب أو رقيب. أكثر من ذلك تعارض فرنسا أي نوع من مراقبة أو حماية حقوق الإنسان في الصحراء الغربية في الوقت الذي تدعي فيه الدفاع عن نفس هذه الحقوق لتصل لدرجة استعمال القوة العسكرية في ليبيا.

كما أن الصحراويين قد حرموا دائما من أي فرصة للتواصل مع العالم العربي بسبب المواقف المخزية للدول العربية منذ السبعينات، وللتذكير فإن معظم الدول العربية دعمت المغرب في غزوه بطريقة أو أخرى، خصوصا العربية السعودية، مصر، العراق، ودول الخليج عموما. كما أن المغرب قد تلقى نفس الدعم من إسرائيل، والولايات المتحدة وفرنسا واسبانيا ولازال يحظى بدعم الإتحاد الأوروبي الذي يوقع سنويا اتفاقا غير شرعي للصيد في المياه الصحراوية.

خلاصة

إن الحق في تقرير المصير هو أحد أعمدة القانون الدولي وهو أحد ضمانات السلام والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان في العالم. وهنالك عدد كبير من المحاولات التي تقوم بها دول عظمى ودول تعمل لها بالوكالة مثل المغرب، لتحويل انتهاك هذا الحق إلى أمر عادي، والغاية من ذلك هو بث الفوضى وانعدام الاستقرار في العالم من أجل خلق ظروف تمكنهم من استغلال ثروات الشعوب المستضعفة.

إن استمرار احتلال الصحراء الغربية وفلسطين، وتدمير استقرار العراق، وأفغانستان، والسودان، والصومال، وليبيا ودول الساحل، وربما مستقبلا دول أخرى لديها احتياطيات كبيرة من النفط، والغاز والمياه ستكون نتيجة حتمية لنجاح هذه الدول العظمى في انتهاك حق الشعوب في تقرير المصير والسيادة على بلدانها وثرواتها. ولهذا وجب على الشعوب أن تنتبه إلى أعدائها الحقيقيين، وأن تبدع دائما أساليب جديدة للدفاع عن حقوقها، وإلا فستفقد الإنسانية مستقبلها، وقد تختفي بكل بساطة