الأحد، 15 يناير، 2012

فسخ عقد أتفاق الصيد مع المغرب يعري أسبانيا


السيد حمدي يحظيه

الذرائعية واللعب بعواطف الصحراويين السياسية
بعد الغزو المغربي الذي أعطاه أتفاق مدريد الضوء الأخضر سياسيا ودبلوماسيا، لم تركن أسبانيا إلى موقعها الجغرافي والسياسي وتنسى الصحراء الغربية، أو على الأقل تتوب عن ذنبها بحق شعبها. بقيت حاضرة كالمسعورة تتحسس المواقف في الكواليس. فهي من جهة لم تنفض يدها وتمسحها من قضية الصحراء الغربية بتسليمها إلى أهلها مثلما ينص على ذلك القانون الدولي، ومن جهة أخرى لم تلجأ إلى طريقة قانونية تتخلص بها القضية كأن تسلم الإقليم، مثلا، بطريقة واضحة للأمم المتحدة وتضعه تحت تصرفها. هذا لم يحدث. بقيت أسبانيا معلقة موقفها في الهواء: لا هي استعمار مباشر يتم التعامل معه بالوسائل السياسية والمادية على الأرض، ولا هي تخلصت من الإقليم. بقيت مثل عود لحبزي أو مسمار جحا.
وحتى بعد إن خدعت الصحراويين وباعتهم، هم وفوسفاتهم وسمكهم، للمغرب بطريقة غير قانونية لم تبتعد عن المسرح السياسي. لا زالت تحشر أنفها وتغمس يدها الملوثة في القضية، خاصة في الظل والظلام. فالآن، حين يتم الحديث عن أي حل، أو عن أي نقاش حول الصحراء، تظهر أسبانيا رأسها من تحت الطاولة لتقول كلمتها. موازاة مع ذلك، وهذا هو الأخطر جوهريا، بدأت أسبانيا الرسمية، منذ سنة 1975م، تتلاعب بعواطف الصحراويين السياسية. ففي سنة 1976م، حين كان الصحراويون لا زالوا في العراء ولم ينفضوا عنهم غبار القنابل ودخانها زارهم فيليبي غونزاليس ليقول لهم وهم يذرف دموع الأفاعى ودموع التماسيح انه معهم، وأنه إذا وصل حزبه إلى السلطة سيقف إلى جانب حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير. حدثت تصفيقات بريئة للخطاب الحماسي، وتفرق الناس يحلمون بوصول الحزب الاشتراكي الأسباني إلى الحكم. وصل الحزب الاشتراكي إلى الحكم، وبدل أن يفعل شيئا لصالح القضية الصحراوية شدد القبضة على الصحراويين: منعهم من دخول أسبانيا حتى بجواز السفر الجزائري و، في النهاية، هدد بإغلاق مكتب البوليساريو في مدريد.
إذن، كان ذهاب غونزاليس إلى المخيمات سنة 1976م هو عبارة عن تسخين البندير والطبل للحملة الانتخابية، ووظف قضية الشعب الصحراوي كورقة رابحة في الانتخابات لكسب أصوت الشعب الأسباني الذي كان غاضبا آنذاك على حكومته بسبب أتفاق مدريد. على مدى أربعة عشر سنة من حكم الاشتراكيين الأسبان، بقى الصحراويون يتلقون الضربة تلو الضربة، مَرة على الرأس ومَرة على القفا ومَرة على الخد، من طرف أسبانيا الرسمية " الاشتراكية". خلال هذه الفترة كانت المعارضة الأسبانية وبالأخص، مؤسسي الحزب الشعبي، يُظهرون رؤوسهم مرة من تحت "لكفى" ومرة من وراء الستار ليقولون أنهم مع حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير. مرة أخرى انخدعت العواطف السياسية البريئة للصحراويين، وظنوا، من جملة ما ظنوا، أن الحزب الشعبي إذا وصل إلى الحكم سيقف إلى جانبهم، أو، على الأقل، لن يلقيهم الضربات تلو الضربات على الرأس مثلما فعل لهم الحزب الاشتراكي.
سنة 1996م، وصلت شلة خوسي ماريا أثنار إلى السلطة. أيام بعد ذلك، تم ضرب حصار إعلامي على القضية الصحراوية، وبدأ اللعب تحت الطاولة مع المغرب. بدأ الصحراويون مرحلة جديدة طبعها تلقي الضربات في الظلام وفي الخفاء من طرف أسبانيا الرسمية ممثلة في الحزب الشعبي. كان الحزب الشعبي خلال سنوات حكمه قاسيا مع الصحراويين: قام بتنشيط وتشجيع اتفاق الصيد مع المغرب؛ وصل إلى درجة اعتراضه على المفاوضات التي كان يرعاها بيكر سنة 1997م، حين صرح بعض أعضائه ممك كانوا يعملون مع فرنكو إن استفتاء سنة 1975م كان ناقصا ولم يشمل كل الصحراويين.
لكن قمة المحنة حدثت عندما عاد الاشتراكيون الأسبان إلى الحكم سنة 2004م. هؤلاء كانوا ينسقون، نهارا جهارا، أمام الجميع وفي المقاهي مع المغرب كل المؤامرات التي كانت تحاك ضد الشعب الصحراوي. كانوا يتصرفون كأنهم وصلوا إلى الحكم فقط لينتقموا من هذا الشعب ويقضون عليه. ووصل بهم الحقد إلى إن رئيسهم، خوسي لويس ثاباتيرو، راح يجول في أوروبا في أول سنة له في الحكم، يحرض المانيا وفرنسا لفرض حل أوروبي لصالح المغرب. تداخلت العلاقات الأسبانية المغربية إلى درجة إن الأسبان، أنفسهم، أصبحوا يتندرون ويقولون إن وزير خارجيتهم، موراتينوس، أصبح وزير خارجية المغرب، وان مكتبه أصبح في الرباط وليس في مدريد. بعبارة موجزة، أصبحت مدريد تفعل ما تمليه عليها الرباط بالنقطة والفاصلة. فمثلا حين منعت الرباط مينتو حيدار من العودة إلى العيون، وجدت في استقبالها سلطات مدريد لتمنحها، طبقا لبنود المؤامرة، الجنسية واللجوء السياسي والمعاش.
إن التعاون الودي والحميم جدا بين مدريد " الاشتراكية" والرباط المكلية أدى إلى غضب الشارع الأسباني. ذلك الغضب أوحى للحزب المعارض الشرس، الحزب الشعبي، إن يغتنم الفرصة ليقوي حظوظه ويذر الرماد في عيون الناخبين الأسبان بلعب ورقة القضية الصحراوية والتقرب من الشعب الصحراوي. وجاءت ملحمة كديم إزيك كفرصة تاريخية استغلها الحزب الشعبي، بذكاء، كي يُظهر للناخب الأسباني انه "يقف" إلى جانب الشعب الصحراوي. في كل الفعاليات التي قام بها الأسبان من أجل إدانة العمل الوحشي الذي قام به المغرب في كديم إزيك، كان الحزب الشعبي المعارض يطل برأسه مكشوفا ليُدِين ويندد بعمل المغرب وبصمت الحكومة الأسبانية الاشتراكية. ففي المظاهرات التي نُظمت في مدريد كان أعضاء بارزين من الحزب الشعبي في الصفوف الأمامية ينددون ويعبرون عن غضبهم بصوت صارخ جعل الزبد يخرج من أشداقهم. وحتى حين أجتمع البرلمان الأوروبي لينظر في ما حدث في كديم إزيك، كان ممثلو الحزب الشعبي الأسباني في البرلمان المذكور من أنشط الحاضرين الذين فرضوا وثيقة إدانة ضد المغرب.
ومرة أخرى خدع جزء من الطبقة السياسية الأسبانية ( المعارضة) عواطف الصحراويين السياسية فتمنوا لو وصل الحزب الشعبي إلى الحكم حتى يقطع العلاقات مع المغرب بسبب قضية الصحراء، أو يعترف بالجمهورية العربية الصحراوية.
ثمن السمك أغلى من ثمن المبادئ
وصل الحزب الشعبي الذي تمنته عواطف الصحراويين السياسية حاكما إلى مبتغاه: أصبح في السلطة. قد يكون هناك من صفق، وربما، قد يكون هناك من الصحراويين من حلم بتغيير موقف أسبانيا. لكن – منين بغى مولانا ذاك المعلوم يكشفوا- من سوء حظ الحزب الشعبي الذي كان يقف في المظاهرات مع الصحراويين، أن فترة وصوله إلى الحكم تزامنت مع اكتشاف الاتحاد الأوروبي إن اتفاق الصيد مع المغرب الذي يصرف عليه سنويا 36 مليون اورو لا تستفيد منه إلا 11 دولة من أصل 27 دولة أو أكثر، وأن أسبانيا هي المستفيد الأول من هكذا أتفاق. فمبجرد إن تم فسخ العقد، وتم طرد الأسطول الأوروبي من المياه المغربية والصحراوية حتى ثارت ثائر غضب أسبانيا الرسمية. بدأ الحزب الشعبي يدق أبواب ونوافذ أوروبا مطالبا بإعادة النظر في الاتفاق وتفعليه من جديد. لكن حين لم يصل إلى نتيجة أتجه إلى المغرب. فالآن تجري مفاوضات فوق الطاولة وتحتها وفي المقاهي بين المغرب وأسبانيا لتوقيع اتفاق ثنائي للصيد البحري يشمل المياه الصحراوية حسب شروط المغرب. وحتى ماريانو الرخوي، رئيس الحكومة المتعالي الذي كنا نظن انه سيحتقر المغرب، سيذهب إلى الرباط للبحث في اتفاق أسباني مغربي حول الصيد البحري. إن تهاوي ماريانو الرخوي أوضح لنا إن الوقوف إلى جانبنا في كديم إزيك هو فقط لرشوة الناخب الأسباني وليس تغيرا في الموقف التاريخي النفعي.
إن فسخ الاتحاد الأوروبي لعقد اتفاق الصيد مع المغرب كشف من هي الدولة التي كانت دائما تصر على تجديد توقيعه. اللهم اسمح لنا من أوروبا ومن الاتحاد الأوروبي الذي طالما اتهمناه – ظلماً-إنه يتجاهل الشرعية الدولية بتجديده لاتفاق الصيد مع المغرب. الآن عرفنا إن أسبانيا وحدها هي التي كانت ترمي كل مرة بثقلها حتى يتم تجديد الاتفاق المذكور. إن أسبانيا، بجريها المحموم ولهثها خلف المغرب لتوقيع اتفاق صيد جديد معه كشفها أنها هي التي كانت، باسم الاتحاد الأوروبي، تطلب بحماس تجديد اتفاق الصيد المفسوخ أخيرا.
إذن، وبعد إن عركتنا أكثر من ثلاثة عقود في اللجوء وتحت الاحتلال، وجربنا مواقف كل الألوان السياسية في أسبانيا، تعلمنا درسا مُهماً، وهو إن الطبقة السياسية في أسبانيا، معارضة كانت أو سلطة، إذا "وقفت" إلى جانبنا فهي لا تفعل ذلك إلا أمام الكاميرات وفي المظاهرات، وتريد من وراء ذلك، أساسا، شراء أصوات الناخب الأسباني فقط. فمن الآن فصاعدا يجب إن لا نفكر بعواطفنا السياسية إذا تعلق الأمر بدولة بلا مبادئ تاريخيا مثل أسبانيا.
sidhamdi@yahoo.es