الخميس، 14 أغسطس، 2014

خيانة ...

بقلم صحراوي مغترب

أهدته أقراطها الفضية عربون محبة بعد تلك الليلة الساحرة التي قضياها معا في إحدى السهرات التي تقام بمناسبة برنامج الشباب والطلبة ,تلك السهرات التي عادة ما تشكل فرصةً للشباب كي يُرفهوا عن أنفسهم ولكنها تعتبر أيضا فرصةً للعشاق كي يسرقوا لحظات للتلاقي , فالمخيمات لا تتيح عادة مثل هكذا فرص ... أهدته تلك الاقراط الفضية غالية الثمن قائلة " إنها فضية لا تصدى وإن رأيت لونها تبدل فقط يكفي أن تمرر عليها قليلا من الرمل وستعود لامعة كما كانت كذلك سيكون حبنا دائما متجددا لا يصدى ..." حاول أن يتكلم كان سيجرب مبادلتها كلمات حب رغم الخجل الذي يصيبه في مثل هذه المواقف,لكنها طبعت على شفتيه قبلة شلت كل أعضائه , لا تقل شيئا فقد أسمعتني من قبل ما لن أسمع من بعد وتلك الاقراط كانت شاهدةً على كلماتك الرقيقة الراقية,شاهدةً على كل لحظة فتحتُ فيها آذان وقلبي لسماع صوتك الحنون ... سنفترق على أمل اللقاء قريبا عند عودتي من موريتانيا فأنت تعرف أن الصيف هنا قاسٍ وعائلتي كما اعتادت دائما ستقضي الصيف هناك . الى الاَن لا أعرف متى سنسافر,لكني سأترك لك أرقام هواتف صديقاتي في السمارة ستجد عندهن اخباري فولايتنا ما تزال متخلفة ولن نستفيد من شبكة الهاتف النقال هذا الصيف أيضا ... هذه أرقام مريم,محجوبة ومتو لكني اطلب منك ألا تتصل بِهِنَّ إلا منتصف الشهر , متو تعرفها صديقتي في الثانوية تلك الفتاة الحزينة التي كُنتُ أطلب منك أن تواسيها كل ما اتصلتَ بي , هل تتذكرها ؟ اه متو ابنة الشهيد نعم أتذكرها , اذن إِتَّصلي بها هي فقط فأنا أخشى عليكِ من مريم ومحجوبة فلطالما رأيتُ الحسد في عيونهن ودائما تحينَّ الفرصة للتعرف عليك , أما هي فبالرغم من جمالها الفاتن فقد ملأ حزن مفاجئ قلبها ولا أعتقد أن يحوز رجل على اهتمامها ... حان موعد الوداع لقد تَاخرَ الوقت ولا تنسى انك ستعود الى العيون غدا وإلا فستطرد من شركة " سونتراب " قالت كلامها بنبرة شعر من خلالها باستهزائها بعمله,لكن حبه لها يغطي على كل زلاتها ويغفرُ أخطائها دون حساب . وَدَعَها ودِاعاً حاراً , ورغم أن ظلاما حالكاً كان يلفُ مخيم اوسرد في تلك الليلة إلا أن حبها الذي يملأ قلبه أنارَ له الطريق صوب برج المراقبة ( الكنترول) في الطريقِ كان بين الفينة والأخرى يتلمسُ شفتيه يبدو أنه مازال تحت مخدر تلك القُبلة القاتلة, صحيح أنها كانت مفاجئة لكنها هزت كيانه وجعلته يَتصببُ عَرَقاً... يا إلهي إنها جريئة الى حد لم أتوقعه لابد أنها تحبني أيضا وإلا فما استطاعت أن تفعل ذلك, ولكن ألم يكن من المفترض أن أَكُونَ أنا المبادر ؟ كيف تجرأَتْ دون تردد ؟ هل هي متعودة على ذلك ؟ لا لا كف عن هذا التفكير السلبي أنت دائما هكذا تعقد الامور إنها تحبك وكفى ... لقد شَغَلَتْ تلك القُبلة تفكيره وغذت صراعا من التناقضات يسكنه فهو ابن بيئة محافظة لا تستسغ فكرة المرأة الجريئة ( الحاظرة ) ولكنه في الوقت ذاته وبحكم تعلمه لا يريد أن يبقى أسير تلك البيئة... كان حواره مع نفسه سيستمر لولا صوت الشرطي الذي قاطعه قائلا" الى أين تتجه يا هذا ؟ - لقد وصل ( الكنترول) بدون أن يشعر – الى العيون. اذن أسرِعْ فأنت محظوظ هذه سيارة " لاندروفر" متجهة الى هناك ... لاندروفر وكأنها نصيبي دائما قالها في نفسه بعد أن استدعَى من ذاكرته مشهدَ ذلك العجوز الذي سافرَ معه ذات يوم من هذا المكان صوب العيون لقد كان عجوز متمردا على كل شيئ , له يعود الفضل في اتخاذ قرار العمل في صناعة الياجور ( سوناتراب ) فما إن انطلقت سيارة الاندروفر التي كانت تشبه هذه تماما حتى كَسرَ العجوزُ الصمت بين الركاب الذين كَانُوا معظمهم شباب, لقد كان يتحدث في مواضيع كثيرة محملاً المسؤولين ما اَلت اليه الاوضاع من تردي في المخيمات " لقد شاخوا جميعا يجب أن يَتنَازلُوا للشبابِ ويُحَمِلوهُ المسؤولية أنا اثق فيهم كثيرا فقد أعطَوْني دروساً لا أنساها الدرسُ الأول كان في حرب الاستنزاف, أتعلمون لقد كنا نحن نأسر " الشلوحة " أما هم فكانوا يدوسون عليهم بالناقلات ...أما الدرس الثانِ فقد رأيتُ مجموعة من الشباب خريجو الجامعات وهم يعملون في صناعة الياجور غير عابئين بكلام المجتمع وقد كتبوا على صهاريج المياه عبارة "مكافحة الفقر" هكذا يجب أن يكون الشباب ..." لقد أحسَ بأن كلامَ هذا العجوز يعنيه فهو تَخرجَ من الجامعةِ السنة الماضية والى الآن لم يجد عملا ولم يخطر بباله أبدا أن يتجه الى صناعة الياجور ( ابريك) لكن هذا الكلام اثر فيه وقرر خوض التجربة ... عند الواحدة صباحا وصل الى مخيم العيون ,هدوء مخيف يُخَيمُ على المكان لم يعد هناك متسعُ من الوقت يجب أن ينام فغداً يوم اخر من ايام مطاوعة الطبيعة ومكافحة الفقر في تلك " الشركة " (سوناتراب ) وبالفعل ما إن وصل الى خيمة أهله حتى أستسلم للنوم بعد يوم شاق ومرهق ... والواقع أنه لم يستيقظ أبدا لقد ظل تحت تأثير ذلك الموعد موعد سفر حبيبته لقد استحوذ على تفكيره طوال الوقت حتى أنه في بعض الاحيان كان يتمنى لو سافر معها فهو لا يتحمل بُعْدَها و لا يمكنه العيشُ من دونها , كان يَعُدُ الايام والليالي حتى انتصف شهر يونيو حزيران... كانت تلك ليلة مقمرة يرسل فيها القمر نوره الى المخيمات لتتشكل لوحة فنية أخَّاذَةٌ , لوحة تختزلُ قصصا من قدرة الانسان الصحراوي على التحدي وقهر الطبيعة ومجابهة الصعاب,كان يفترش الارض ويلتحف السماء يرقب في تعجب كيف يفل نور بعض النجوم بعد أن كانت قبل قليل مضيئة لابد أنها سنة الله في خلقه قالها وهو يستيقظ من عالم التيه ليشكل رقم "متو" صديقة حبيبته , تلك الفتاة الطيبة الحزينة... الو " متو " أنا " عالي " كيف حَالُكِ , أريد أن أسأل عن " غلانة " هل سافرت ؟ طَلبتْ مني الاتصال بكِ فهي سَتمرُ بخالتها في السمارة وستترك الاخبار عندكِ ... ردت عليه وهي تتلعثم ،، عالي , غلانة اه نعم سافرت البارحة لقد اختاروا السفر في الليل كي يتجنبوا حر النهار , نعم سافرت ولا أعتقد أنها ستعود ،، كيف لن تعود ؟ لا ادري لا ادري لا أستطيع أن أقول شيئا ... إذن متو شكرا لكِ ... عالي لا انتظِرْ من فضلك لديً ما أقوله لك إذا قبلتَ طبعا , وكيف لا أقبل أنا كل أذانُ صاغية لكِ قولي ما تريدين ... يا الله هل أصارحه بكل شيء ؟ هل أقول له ذلك السر الذي أقض مضجعي لسنوات ؟ هل أفصح له عن حقيقة " اغلانة " وعن حقيقتي ؟ لا هذا ليس وقتا مناسبا " متو " دعكِ من هذا و لا تقول له شيئا ...تعودُ لنفسها مرة أخرى ،، ولماذا لا أقول له كل شيء ؟ متى سيحين الوقت ؟ لقد انتظرت هذه اللحظة طويلا وان اضعتها لن تعود ... " متو " هل أنتِ على الخط أنا أنتظر منذ مدة ماذا ستقولين ؟ اه اه اعذرني , ما سأقوله امر خطير أتمنى أن تفتح اذانك جيدا لا بل وقلبك وأتمنى آلا تقاطعني وعندما أنهي كلامي سيكون لك القرارُ سأحترم قراركَ مهما كان ... اوك ( خلعتيني ) لكِ ما تريدين ... لست أدري من أين سأبدأ لكن تلك التي سألتني عنها الان هي خائنة لا تستحق منك الاهتمام لقد خانتك عشرات لا بل مئات المرات , ذلك الحب الذي تبديه لك هو حب زائف فمن يحب لا يخون , لقد استطاعت ان تخدعك طيلة هذه المدة دون أن تنتبه , لقد أعمت بصيرتك وتلاعبت بمشاعرك الصادقة ... طيلة سنواتنا في الثانوية كان لها اكثر من عشيق أخرهم كان ذلك الوقد ....كان يعمل في الحماية المدنية أتعلم كانت تدعي المرض مرتين في الاسبوع كي تلتقي بحبيبها كانت المشرفة المسكينة تطلب الحماية المدنية على الفور وتطب مني مرافقتها الى المستشفى وفي الواقع كنا لا نذهب إلا الى مكان يستمتعان فيه...كنت أنت تتصل فتطلبُ هي مني أنا اتولى الرد عليك كنتُ أردُ ودموعي تخنقني نعم كنت أبكي بينما هي تبتسم بين أحضانه كانت تظن أن بكائي من الخطة ولكني أقسم أني كنت أبكي من قلبي وكيف لا أبكي وأنا أرى مشاهد الخيانة تتكرر أمامي ... بعد ذلك كدتُ أجن وعمَ الحزن قلبي , كانت هي تطلب منك في كل مرة أن تخفف عني وتواسيني , كانت كلماتك كالبلسم الشافي , كُنتَ تقول إنها أعراض الحب نعم هي أعراضه فقد وقعت في حبك دون ان أعلم لقد تحول كرهي " لغلانة وعشيقها " الى حب لك , لا أخفي عنك أني وصلت الى درجة كنت أتجسس فيها على رسائلك التي تكتبها لها, كنت أستمتع بالنظر الى صورك في هاتفها , كنت أحترق من الغيرة فهي لا تستحقك ومع ذلك تتمسك بك فهي تخشى المستقبل وتعرف أن عشيقها الجزائري لن يتزوجها وهي لن تعود الى الدراسة لأنها ( مُحَالة ) لقد كانت تتمسك بك من أجل الزواج ...علين أعرف أن ما قلته قاسٍ لكنها الحقيقة وقبل أن اودعك أعلم أن قلبي يخفق بحبك وسيكون مفتوحا لك متى شئت فهي لن تعود.... أنهى أغرب مكالمة أجراها في حياته وهو يرتجف , تمنى لو أن الارض انشقت وابتلعته قبل أن يسمع هذا الكلام , تحولت تلك الليلة المقمرة الى ليلة ظلماء كئيبة , بدا يهذوا كالمجنون , أغلانة خانتني , كيف ذلك ؟ لالالالا فأنا مازلت أشعر بقبلتها عل شفتي , تلك القبلة التي لا يمكن أن تعني إلا الحب غلانة محالة ؟؟؟ لا فقد اخبرتني بأنها حازت على تقدير " امتياز " , "متو" تحبني ؟؟؟ رحماك يا الله يا الله رحماك ... لقد كان وقع كلام " متو " عليه كالزلزال , نعم لقد زلزل كيانه ودمر حياته فكر بأن يتبعها كي يسمع منها الحقيقة ,لكن لا سبيل الى ذلك فظروفه صعبة ولا يمكنه السفر ويترك أبواه وحدهما ... توالت الايام والليالي لقد أصبح واهِ الجسد غائم الادراك , حَشدٌ من الاسئلة تُعَكرُ صفوى حياته , لكنه رغم ذلك لم يتوقف عن العمل لقد كان يَجِدُ فيه فرصةً للهروب من نفسه وكان لا يتوقف عنه حتى في تلك الايام التي تشهد ارتفاعا في درجات الحرارة ومنها هذا اليوم الخامس عشر من أغسطس اب لقد مرا على سفرها شهران بالتمام ... مكبرات الصوت في ولاية العيون تطلب من المواطنين عدم الخروج من البيوت ابتداءً من العاشرة صباحا فدرجات الحرارة قياسية هذا اليوم والتعرض لأشعة الشمس قد يشكل خطرا على حياة المواطنين , كان يستمع لهم وهو في حفرة ( ابريك ) دون أن يبالي بل وكان يستهزئ بما يقولون ولولا رنين هاتفه لاستغرق في العمل حتى الثالثة ظهرا , " بعيد عنك حياة عذاب .." هي رنة هاتفه ,دليل الرقم يشير الى ان المتصل من الخارج هذا رقم مغربي " اخباري من المغرب يخلي " قال في نفسه , توجس قليلا لكنه رد اخيرا , نعم من معي ؟ أنا أغلانة ،، برودة تتسلل الى أعماقه, أحاسيس متناقضة تغمره ،، أغلانة ؟ نعم أغلانة لا تستغرب أنا الان في العيون المحتلة ( لقد عُدنا ) كان ذهابنا الى موريتانيا مجرد تغطية عل قرار اتخذه أبي منذ مدة أنت تعرف صعوبة العيش في المخيمات وما يكابده الناس هناك , لقد قررنا الاستقرار هنا أبي يعمل مع " المخزن" وقد أعطونى " دار وكارطية " أنت أيضا لا تتردد التحق بنا ولا تدع الفرصة تفوتك ... يا الله هل اتصلت كي تقول لي هذا الكلام الفارغ لم تترك المجال حتى لأسألها عن ذلك الكلام الذي قالت "متو" لكن يبدوا أنه صحيح فقد خانت الوطن فكيف لا تخوني أنا ؟ علين انت معي ؟ نعم معك لكن اسمعيني وفري عليك رصيد هاتفك أيتها الخائنة أنت بالنسبة لي لا شيء أنت خائنة خائنة ,كنت سأسألك عن أمور كثيرة لكني الان صدقتها كلها , في النهاية سأزف لك خبرا سارا أتعرفين "متو" ؟ نعم وكيف لا اعرفها ؟ صديقتكِ ستكون قريبا خطيبتي ؟؟؟ أغْلقَ الهاتف وهو لا يدري ماذا قال ولا يصدق ما يحدث معه لكن إسم "متو" ظل على لسانه " متو" " متو" يجب أن أنهي الموضوع وأنتقم لكبريائي , اليوم أدركتُ لماذا صَدَأَتْ تلك الاقراط الفضية اللعينة ولماذا يرفض الرمل أن يعيد لها لونها الحقيقي ... الو " متو" هذا أنا "علين " لن أطيل عليك أخبري عمكِ بأني سأتيكم خاطبا الشهر المقبل ... .... جاء موعد الخطبة كل شيء على ما يرام " متو" تنتظر هذا اليوم على احر من الجمر , هو مازال يعيش على وقع الصدمة لكن الانتقام يملأ قلبه ومع ذلك ظل في انتظار ما ستفضي اليه "المفاوضات " مع وكيل امرها الذي هو عمها فوالدها استشهد من ذو سنوات عندما كان مقاتلا في جيش التحرير الشعبي الصحراوي ... ماذا قالوا لكم " القوم"؟ يسأل والدته , هل قبلوا ؟ لا لا ذاك (الشيباني ) طماع لم يقبل فأول ما سأل عنه هو عملك قلنا له أنك خريج جامعي وتعمل في ( ابريك ) فرفض مباشرة وقال انه لا يزوج ابنة اخيه لفقير... يا الله كيف ذلك ؟ كيف لذلك العجوز أن يرفضني ؟ قبل ايام اكتشفت انه العجوز ذاته الذي كان سببا في اتخاذي لقرار العمل في ( ابريك ) الم يبدي اعجابه بأولئك الشباب الخريجون الذين يكافحون الفقر بهذا العمل ؟ في تلك اللحظة الاستثنائية في حياته لا لم يدري كيف قفزت الى ذهنه تلك الطرفة الجزائرية التي تقول " إن امام مسجد كان يخطب في المسجد وكان موضوع الخطبة عن حرمة الفوارق بين الناس لقد كان يقول للمصلين زوجوا بناتكم لمن ترضون دينه وخلقه فلا فرق بين أبيض ولا أسود إلا بالتقوى ...فلما انتهت الصلاة تقدم رجل كان أسود البشرة الى الامام قائلا ،،يا شيخ أريد أن أطلب منك يد ابنتك على سنة الله ورسوله،، فما كان من الامام ألا أن قال بلكنته الجزائرية " هيا روح أدير على هدرة الجامع " . بقلم صحراوي مغترب