الاثنين، 30 مارس، 2015

النحلة المجرمة (قصة قصيرة)


بقلم: د. غالي الزبير

قفز من مكانه من وقع الفزع الذي خلفه فتح طفله الصغير للباب بعنف، ثم ما عتم أن استعاد هدؤه وهو يرى شهادته الجامعية التي اوقعها ارضا بعد جلسة تأمل واستعادة لذكريات ايام كان يظن فيها أن حصوله على شهادته سيفتح له الدنيا من أوسع أبوابها..لاحت على محياه المتغضن قبل الآوان ابتسامة ساخرة من أحلامه الموؤدة حين انتبه إلي أن المداد الذي كتبت به شهادته قد حال لونه وأصبح باهتا لطول العهد به.

غير أن وجيب قلبه وتتالي ضرباته التي تأبى ان تنتظم منذ أن قرقع باب الغرفة أمام اندفاعة طفله الصغير ارجعه الى ذكريات ذلك اليوم النحس، الذي لازال يذكر كل تفاصيله الدقيقة منذ أن اهتز الباب بعنف تبعته ضربات مهولة تتالت علي كل انحاء جسمه النحيل من رجال البوليس الذين اقتحموا الغرفة التي كان يقضي بها سويعات القيلولة المفضلة لديه دون سابق انذار، ولم يستوعب ما حدث وهو يرى عشرة رجال تضيق بهم غرفته الصغيرة وهم يكسرون كل ما تطاله ايديهم ويتبادلون ركله باحذيتهم القاسية وحين تمكن من النهوض بصعوبة حلت الصفعات النارية محل الركلات القاسية ودون أن يسمح له بأن ينبس ببنت شفة وسط سيل الشتائم المتدفق كمطر استوائي وجد اربعة من الرجال الأشداء يحملونه بفظاظة ويرمون به في مؤخرة سيارتهم العسكرية.

لم يعرف كم مضى من الوقت قبل أن تتوقف السيارة في مكان عرفه بسهولة .. إنه غابة “مولاي اسماعيل” وحين توقفت عجلات السيارة عن الدوران بصفة مفاجئة جاءه الصوت الهادر يأمره بالنزول وما أن قفز منها حتى كان الصفع والضرب المجنون يمطران  جسده دون رحمة.

حين توقف الضرب والركل أبعد يديه اللتين كان يحمي بهما وجه ورأسه، وحينها أبصر عشرة من أصدقائه في حالة مفزعة كان بعضهم ينزف دماً وآخرون قد تورمت وجوههم من وقع اللكمات، في حين كان صديقه عمار يتلوى أرضا من الألم دون أن يستطيع أحد مساعدته، لاشك أنه تعرض لضربة في مقتل، حدث حسين نفسه، وماهي الا لحظات حتى أحس بضربة شديدة تشعل النار في قفاه مما أوقعه أرضا ليرتطم وجهه بقسوة بجذع شجرة صنوبر كان يجلس علي طرفه الآخر بعض ضباط البوليس.

مضت لحظات وهو يتلوى من الألم ثم بدأ يسمع زمجرة عقيد الشرطة وهو يمر على الرجال الموقوفين مهددا ومنجزا تهديداته بالصفعات مرة واللكمات مرة  أخرى وهو يقول:

  • يجب أن تقولوا لي لمن النحلة التي تسببت في المشكل؟

دون أن يفهم حسين المسالة صرخ بصوت كالحشرجة:

– النحلة لي… أنا سيدي، أنا ..أنا سيدي.

قالها وهو ينظر نحو الضابط  الذي تسمر في مكانه، غير أن حسين لمح عشرات من رجال الشرطة يتركون مواقعهم ويتجهون نحوه وهم يلوحون بهراوتهم وعصيهم الغليظة وكان أخر ما سمعه هو هدير العقيد موجها كلامه للموقوفين:

– اغربو عن وجهي يا أبناء ………..

تبع ذلك وقع عشرات العصي والهراوت على رأسه وظهره وذراعيه اللتين فشلتا في تغطية رأسه ووجه قبل أن يفقد الوعي.

بعد مدة لا يعرف كم هي، بدأ يسمع صراخ يأتيه من بعيد كان أول علامات استعادته لوعيه يصاحبه احساس قاتل بآلام تنخر عظامه وتنغرز عميقا في كل خلية من جسمه، حاول فتح عينه اللتين كانت متورمتين وثقيلتين وما فتئ أن صرخ من ألم اشد حين تعرض لصفعة قاسية من شخص لايراه بصورة واضحة وهو يقول له:

  • وقع على محضر اعترافاتك يا ابن……..

بصورة ألية رفع القلم الموضوع أمامه ومرره على الورقة التي كان احدهم يحملها دون أن يميز ماهي وما كتب فيها، فليس هذا الامر بذي أهمية بالنسبة لحسين، المهم ان يتوقفوا عن صفعه على وجهه المتورم كبالونة العيد.

جاءه الصوت الأجش وهو يحمل نبرة الرضا بعد توقيع المحضر:

  • أنتهى شغلنا معك ستبقى هنا وبعد ثلاثة أيام ستعرض على وكيل الملك، عقبال عشرة سنوات على جريمتك يا ابن…..

بعدها جاءه احدهم وغرز ابرة طبية في ذراعه، أحس بعدها بدقائق بالألم يتناقص تدريجيا، إذن هذه مهدئات، لعلها ثمن توقيعه على محضر الاعتراف الذي كتب حين كان في غيبوبة عميقة، أحس بارتياح أفتقده منذ مدة وما لبث أن غاب في نوم عميق.

لم يفق إلا على باب الزنزانة يفتح بعنف أفزعه ولكنه سرعان ما هدأ حين لمح ثلاثة من أصدقائه يلجون الزنزانة في حين كان الرابع يحشو يد الحارس ببعض النقود، مقبلا يده، شاكراً كرمه أن سمح لهم بالزيارة.

أجهش مهدي صديق طفولة حسين كطفل صغير حين رأى حالته ولم يستطع أحد كبح موجة الإنفعال التي جعلته يرتجف كعصفور تحت المطر، فقبع في طرف الزنزانة يبكي واضعا رأسه بين ركبتيه.

قالو لحسين في وقت واحد:

  • كيف اعترفت بشيء كهذا؟

  • انا لا أعرف ما حدث  ولا أعرف ماهي المشكلة اصلا غير أنني لم أستطع أن أصبر وأنا أرى عقيد الشرطة يتلذذ بتعذيب رجال أكبر سنا من أبيه دون رحمة فاخترت ان أتحمل عنهم العذاب، ألم تروا عمار وهو يموت دون أن يسعفه أحد، بالمناسبة كيف هو الآن؟

  • عمار بخير ولكن هل تعرف ماحدث؟

  • قلت لكم والله لا أعرف،  اقتحم علي رجال الشرطة البيت وحملوني في ملابس النوم إلى الغابة والباقي تعرفونه، ماهي المشكلة؟

  • تعرف أننا جميعا أخذنا صناديق النحل في الشهر الماضي إلى غابة “مولاي اسماعيل” كما كنا نفعل كل عام قبل أن تنضم إلينا  وفي ذلك اليوم جاءت الأميرة “لالة منيرة” للتنزه في الغابة وأستفزت عطورها الغالية النحل فلسعتها نحلة مجنونة،  فقام حراسها المرافقون لها بتدمير كل خلايا النحل ولم يكتفوا بذلك، بل اتصل مدير الأمن في القصور الملكية بقائد الشرطة طالبا منه التصرف، وحينها قرر أن يعاقب أصحاب المناحل وحين وجد أن هذا كله قد لايرضي ولاة الأمر قرروا أن يعرفوا صاحب النحلة المجرمة، فكان ما كان.

  • لعنة الله على السي منير فهو الذي ادخلني في تربية النحل، والله البطالة والجلوس على المقاهي خير من هذه الحال، كان يقول لي كل يوم “لما تربي النحيلات تصبح تحبهم أكثر من وليداتك…”.  وفي الخير ما حصلنا غير الضرب والسجن.

  • الأنكى أنك حين تقابل وكيل الملك سيسألك:  كيف عرفت أن نحلتك أنت هي التي اعتدت على الاميرة “منيرة” وليست نحلة زيد أو عمر؟  سأله مهدي.

  • وعندها يا صاحبي – أردف سليم مهرج الشلة بنبرته  التهكمية المعتادة-  ستواجه ثلاثة قضايا دفعة واحدة: الإعتداء على فرد من العائلة الملكية الشريفة والإدلاء ببيان كاذب والتهكم على رجل شرطة وهويمارس عمله بكل شرف…. كل اجاباتك ستقودك إلى خراب بيتك أيها المواطن العزيز!